التنازل عن الحقوق تحت الضغط .. محامٍ يوضح الشروط والإجراءات القانونية
التنازل عن الحقوق تحت الضغط .. محامٍ يوضح الشروط والإجراءات القانونية
● مجتمع ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦

التنازل عن الحقوق تحت الضغط .. محامٍ يوضح الشروط والإجراءات القانونية

يجد بعض الأشخاص أنفسهم مضطرين إلى التنازل عن حقوق مالية أو قانونية نتيجة ضغوط عائلية أو تهديدات تؤثر في قدرتهم على اتخاذ القرار بحرية، قبل أن يسعوا لاحقاً إلى استعادة حقوقهم أو الطعن في التصرف الذي أقدموا عليه.

وتثير هذه الحالات تساؤلات حول مدى صحة التنازل قانونياً، والفرق بين الضغوط الاجتماعية والإكراه الذي يؤثر في الإرادة، فضلاً عن وسائل إثباته أمام القضاء، والإجراءات اللازمة لإبطال التنازل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالميراث أو العقارات أو الشكاوى الجزائية.

وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، أوضح المحامي محمد معتز العلي أن إمكانية الطعن في التنازل تتوقف على طبيعة التصرف والظروف التي أُبرم فيها، ومدى توافر الشروط القانونية للإكراه، مؤكداً أن تقدير هذه المسائل يعود إلى القضاء استناداً إلى الأدلة المقدمة.

الفرق بين انعدام الرضا وعيوب الإرادة

قال العلي إن الرضا يُعد ركناً أساسياً في العقود، وإن غيابه أو تأثر الإرادة بعوامل غير مشروعة قد يؤدي إلى بطلان التصرف أو يجعله قابلاً للإبطال، بحسب طبيعة الحالة.

وأوضح أن انعدام الرضا يتحقق عندما تغيب الإرادة بصورة كاملة، كما في حالات التوقيع أثناء فقدان الوعي أو تحت تأثير التخدير، أو عندما يُجبر الشخص مادياً على التوقيع، كأن تُمسك يده بالقوة.

وفي مثل هذه الحالات، قد يكون التصرف فاقداً أحد أركانه الأساسية، بما يؤثر في صحته وآثاره القانونية.

أما عيوب الرضا، فتتحقق عندما تكون الإرادة موجودة، لكنها تتأثر بعوامل مثل الإكراه النفسي أو الغلط أو التغرير أو الاستغلال.

وبيّن العلي أن التنازل الناتج عن إكراه نفسي تتوافر فيه الشروط القانونية قد يكون قابلاً للإبطال لمصلحة المتضرر، مع بقاء التصرف منتجاً لآثاره إلى حين صدور حكم قضائي بإبطاله.

متى يتحول الضغط الأسري إلى إكراه قانوني؟

أشار العلي إلى أن المادة 128 من القانون المدني السوري تتناول الإكراه المرتبط بإثارة رهبة في نفس المتعاقد تدفعه إلى إبرام التصرف، وهو ما قد ينطبق على بعض حالات التهديد والضغط داخل الأسرة.

وأوضح أن مجرد الشعور بالخجل أو الحرج أمام الأب أو الأخ، أو الرغبة في تجنب الخلافات العائلية، لا يكفي بحد ذاته لإبطال التنازل.

وتختلف المسألة عندما يتعرض الشخص لتهديدات جدية تؤثر في حرية قراره، مثل التهديد بالضرب أو الطرد من المنزل أو التشهير أو التعرض لأذى جسيم.

وأكد أن تقدير الإكراه يتطلب النظر في طبيعة التهديد وشدته والظروف المحيطة بالشخص، ومدى تأثير تلك الظروف في قدرته على اتخاذ القرار بحرية.

وبناءً على ذلك، فإن وجود خلاف عائلي أو ضغوط اجتماعية لا يعني تلقائياً بطلان التنازل، ما لم تتوافر العناصر القانونية التي تجعل الإكراه مؤثراً في صحة الإرادة.

كيف يمكن إثبات الإكراه أمام القضاء؟

أوضح العلي أن الشخص الذي تنازل عن حقه تحت الإكراه يستطيع اللجوء إلى القضاء للمطالبة بإبطال التصرف، شريطة تقديم ما يثبت تعرضه لضغوط تتوافر فيها الشروط القانونية اللازمة.

وتتنوع وسائل الإثبات بحسب طبيعة الواقعة، إذ يمكن الاستناد إلى شهادة الأشخاص الذين عاينوا التهديدات أو الضغوط، بمن فيهم الأقارب والجيران، إلى جانب الرسائل النصية والمراسلات الإلكترونية التي تتضمن تهديداً أو ابتزازاً.

كما يمكن تقديم التسجيلات الصوتية متى توافرت شروط قبولها قانوناً، والاستعانة بالتقارير الطبية أو النفسية إذا كانت مرتبطة بالواقعة وتساعد في إثبات آثار الاعتداء أو الضغوط.

وشدد العلي على أهمية جمع الأدلة والمحافظة عليها، نظراً إلى أن الادعاء بالتعرض للإكراه لا يكفي وحده للحكم بإبطال التصرف.

ويبقى تقدير الأدلة ومدى كفايتها لإثبات الإكراه من اختصاص المحكمة المختصة، وفق ظروف كل قضية.

التنازل عن الميراث والعقارات

تختلف الإجراءات القانونية للطعن في التنازل بحسب طبيعة الحق الذي جرى التخلي عنه، ولا سيما في المعاملات المتعلقة بالحقوق المالية والحصص الإرثية والعقارات.

وأوضح العلي أن الشخص الذي يتنازل عن حق مالي أو عقاري تحت الإكراه يمكنه المطالبة بإبطال التصرف أمام القضاء، إذا استطاع إثبات توافر الشروط القانونية اللازمة.

وتزداد الإجراءات تعقيداً عندما يكون التنازل متعلقاً بعقار جرى تسجيل التصرف بشأنه في السجل العقاري، إذ قد تتطلب معالجة آثاره اتخاذ إجراءات قضائية تتناسب مع طبيعة التسجيل والتصرف المطعون فيه.

وأشار إلى أن إثبات الإكراه لا يعني زوال آثار التسجيل العقاري تلقائياً، وإنما يتوقف الأمر على الحكم القضائي والإجراءات القانونية الواجب اتباعها لتنفيذه.

لذلك، فإن تحديد المسار القانوني المناسب يستلزم التحقق من طبيعة التنازل، وما إذا كان قد جرى توثيقه أو تسجيله رسمياً، والآثار التي ترتبت عليه.

هل يمكن الرجوع عن التنازل عن الشكوى الجزائية؟

لفت العلي إلى ضرورة التمييز بين التنازل عن الحقوق المدنية والمالية والتنازل عن الشكوى الجزائية، نظراً إلى اختلاف الآثار القانونية المترتبة على كل منهما.

وأوضح أن التنازل عن الشكوى قد يؤدي إلى سقوط الدعوى العامة في الجرائم التي يحدد القانون أثر التنازل فيها، ولا سيما الحالات التي يتوقف تحريك الدعوى على شكوى المتضرر.

وأشار إلى أن إمكانية الرجوع عن التنازل تتطلب دراسة طبيعة الجريمة والمرحلة التي وصلت إليها الإجراءات، إلى جانب تحديد الأثر القانوني الذي ترتب على التنازل.

كما شدد على أهمية التمييز بين الدعوى العامة والحقوق المدنية والتعويضات، إذ لا تتطابق الأحكام المتعلقة بها بالضرورة.

وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار الرجوع عن التنازل في القضايا الجزائية إجراءً متاحاً في جميع الحالات، وإنما يخضع للأحكام القانونية الخاصة بكل جريمة.

الإجراءات القانونية والمهل المحددة للطعن

نصح العلي الأشخاص الذين تعرضوا للإكراه عند التنازل عن حقوقهم بتوثيق الوقائع وجمع الأدلة المتاحة، بما يشمل المراسلات والرسائل وأسماء الشهود وأي مستندات مرتبطة بالتصرف.

وأوضح أن الخطوة التالية تتمثل في مراجعة المحكمة المختصة للمطالبة بإبطال التصرف أو اتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة لمعالجة آثاره، بحسب طبيعة الحق المتنازل عنه.

وفي الحالات التي تقترن فيها الضغوط الأسرية بعنف جسدي أو تهديد يشكل جريمة، يمكن للمتضرر تقديم شكوى إلى الجهات المختصة للتحقيق في الوقائع.

أما بشأن المهل القانونية، فأشار العلي إلى أن دعاوى إبطال العقود بسبب عيوب الرضا تخضع لمدد محددة، وأن احتساب المهلة في حالات الإكراه قد يرتبط بتاريخ زواله، مع وجود حد أقصى يحدده القانون.

وأكد أن تحديد المهلة المنطبقة يتطلب مراجعة النصوص القانونية المتعلقة بنوع التصرف والوقائع المحيطة به، تجنباً لفوات المواعيد التي قد تؤثر في إمكانية المطالبة بالإبطال.

القضاء يفصل في صحة التنازل

تتوقف إمكانية إبطال التنازل على إثبات أن إرادة الشخص تأثرت بإكراه تتوافر فيه الشروط القانونية، مع مراعاة طبيعة الحق والإجراءات التي اتُبعت عند إبرام التصرف.

وأوضح العلي أن الفصل في هذه المسائل يعود إلى القضاء، الذي يتولى تقييم الوقائع والأدلة والتمييز بين الضغوط الاجتماعية المعتادة والحالات التي تؤثر قانوناً في حرية الإرادة.

وتبرز أهمية التعامل المبكر مع حالات التنازل الناتجة عن التهديد أو الإكراه، من خلال توثيق الوقائع والحصول على المشورة القانونية المناسبة، خصوصاً عندما تكون الحقوق مرتبطة بعقارات أو حصص إرثية أو دعاوى جزائية.

ويظل لكل حالة مسارها القانوني الخاص، إذ تختلف شروط الطعن وآثاره ومهله تبعاً لطبيعة التنازل والظروف التي أحاطت به، ومدى قدرة المتضرر على إثبات أن قراره لم يصدر عن إرادة حرة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ