التحرش بالأطفال.. آثار نفسية عميقة وعقوبات تتحدد وفق طبيعة الاعتداء
التحرش بالأطفال.. آثار نفسية عميقة وعقوبات تتحدد وفق طبيعة الاعتداء
● مجتمع ١٩ أغسطس ٢٠٢٦

التحرش بالأطفال.. آثار نفسية عميقة وعقوبات تتحدد وفق طبيعة الاعتداء

أعاد مقطع مصور متداول على منصات التواصل الاجتماعي، يوثق واقعة تحرش رجل بطفلة صغيرة في ريف إدلب، قضية الاعتداءات الجنسية على الأطفال إلى واجهة النقاش، قبل أن تعلن قوى الأمن الداخلي إلقاء القبض على المتهم، وسط تفاعل واسع ومطالبات بمحاسبته، بالتوازي مع تحذيرات مختصين من التداعيات النفسية والسلوكية التي قد تتركها مثل هذه الاعتداءات على الأطفال.

وسلط انتشار المقطع الضوء على أهمية معرفة الأسر بالمؤشرات التي قد تظهر على الطفل بعد تعرضه للتحرش، وضرورة توفير بيئة آمنة تساعده على الإفصاح، بالتوازي مع التعامل القانوني الذي يحفظ حقوقه وخصوصيته، ويضمن مساءلة مرتكب الاعتداء وفق طبيعة الفعل والأدلة المتوفرة.

آثار قد لا تظهر مباشرة

في هذا السياق، أوضحت آمنة الإسماعيل، المتخصصة في التربية الخاصة والصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن التحرش الجنسي قد يترك آثاراً نفسية وسلوكية مختلفة على الطفل، فيما قد تمر بعض الحالات دون اكتشاف بسبب خوف الطفل أو عدم انتباه الأسرة إلى المؤشرات أو إنكارها لما حدث.

وبيّنت أن الآثار القريبة يمكن أن تظهر على شكل خوف وقلق واضطرابات في النوم وكوابيس، وآلام في البطن أو الرأس، والتبول اللاإرادي أو العودة إلى سلوكيات أصغر من عمر الطفل، إلى جانب الانفعال والعزلة وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يمارسها.

وأضافت أن الآثار قد تستمر لفترات أطول، وتظهر في صورة اكتئاب أو قلق واضطراب ما بعد الصدمة، وانخفاض تقدير الذات والشعور بالخزي أو الذنب، إضافة إلى صعوبة بناء الثقة بالآخرين.

مؤشرات تستدعي انتباه الأسرة

وأكدت الإسماعيل عدم وجود علامة واحدة يمكن من خلالها الجزم بتعرض الطفل للتحرش، إلا أن حدوث تغيرات مفاجئة في السلوك أو النوم أو الشهية أو المستوى الدراسي، وتجنب شخص أو مكان محدد، وظهور الخوف أو الانعزال والغضب بصورة غير معتادة، أو استخدام ألفاظ ومعارف جنسية لا تتناسب مع عمره، كلها مؤشرات تستحق انتباه الأسرة.

وشددت على ضرورة استقبال إفصاح الطفل بهدوء، والاستماع إليه وتصديقه وإشعاره بأنه غير مسؤول عما تعرض له، مع تجنب لومه أو التشكيك بكلامه أو مطالبته بتفاصيل متكررة، وعدم إظهار ردود فعل شديدة أمامه يمكن أن تزيد شعوره بالخوف.

وأشارت إلى أن بعض الأسر قد تلتزم الصمت خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو تفكك الأسرة إذا كان المعتدي من الأقارب، أو بسبب الخوف من تدخل السلطات، محذرة من أن الصمت قد يضاعف شعور الطفل بالذنب والخزي ويحرمه من الحماية والدعم اللازمين.

الدعم النفسي والتدخل المبكر

ولفتت الإسماعيل إلى أن توفير الأمان النفسي والدعم الأسري والحفاظ قدر الإمكان على الروتين اليومي للطفل يمثل أساساً مهماً في التعافي، فيما تستدعي الأعراض الحادة أو المستمرة، ومنها القلق والاكتئاب والكوابيس المتكررة وإيذاء النفس والتراجع الدراسي والعدوانية، الاستعانة بمختص في الصحة النفسية.

وأكدت أهمية التدخل المبكر للحد من الآثار بعيدة المدى، موضحة أن دور المختص يشمل مساعدة الطفل على التعامل مع آثار التجربة، بالتوازي مع إرشاد الأسرة إلى الطرق المناسبة لدعمه وحمايته.

كيف يتعامل القانون السوري مع التحرش بالأطفال؟

وأوضحت المحامية سحر نجار، في تصريح خاص لـ"شام"، أن قانون العقوبات السوري لا يضع تعريفاً مستقلاً وشاملاً تحت مسمى "التحرش الجنسي بالأطفال"، وإنما يجري التكييف القانوني لكل واقعة بحسب طبيعة الفعل وعمر الطفل والوسيلة المستخدمة والظروف المحيطة بها.

وبيّنت أن المادة 505 تتناول اللمس أو المداعبة المنافية للحياء بحق قاصر لم يتم الخامسة عشرة، بعقوبة تصل إلى الحبس سنة ونصف، بينما تتناول المادة 506 التعرض اللفظي أو عرض فعل منافٍ للحياء أو توجيه كلام مخل بالحشمة إلى قاصر دون الخامسة عشرة، مع العقوبات المقررة في النص وتعديلاته.

وأشارت إلى أن انتقال الاعتداء من اللمس أو الأقوال إلى أفعال أشد خطورة يغيّر الوصف القانوني والعقوبة، إذ تدخل بعض الأفعال المنافية للحشمة ضمن المواد من 493 إلى 496، فيما تخضع حالات الجماع مع القاصر لنصوص قانونية أشد، ومنها المادة 491.

وأكدت أن استخدام العنف أو التهديد والإكراه، وصغر سن الطفل، واستغلال الجاني لسلطته أو ولايته أو موقعه المؤثر على الضحية، وتعدد المشاركين في الاعتداء، من العوامل التي يمكن أن تؤثر في التكييف القانوني وتشديد العقوبة بحسب ظروف كل قضية.

الطفل ضحية وحمايته أولوية

وشددت نجار على أن الطفل في هذه القضايا يُعامل بوصفه ضحية تحتاج إلى الحماية، مشيرة إلى أن قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021 أكد حق الأطفال في الحماية من مختلف أشكال العنف والإساءة الجنسية والاستغلال، واعتمد المصلحة الفضلى للطفل أساساً في التعامل معه.

وأوضحت أن الإجراءات تبدأ بالإبلاغ وفتح التحقيق وجمع الأدلة، بما قد يشمل أقوال الطفل والشهود والتسجيلات والرسائل والصور والقرائن المادية والتقارير الطبية عند الحاجة، على أن يجري الاستماع إلى الطفل بطريقة تراعي عمره وحالته النفسية، وتحد من اضطراره إلى تكرار رواية الواقعة دون ضرورة.

ونبهت إلى أهمية منع التواصل بين الطفل والمعتدي عند وجود خطر عليه، والاستعانة بالمختصين النفسيين والاجتماعيين عند الحاجة، والحفاظ على سرية هوية الطفل ومعلوماته، وتجنب نشر أي تفاصيل قد تكشف هويته أو تعرضه لوصمة اجتماعية وأذى نفسي إضافي.

وخلصت نجار إلى أن استخدام مصطلح "التحرش" بصورة عامة لا يكفي لتحديد العقوبة قانونياً، إذ تبقى مهمة توصيف الفعل وتحديد النصوص المنطبقة عليه من اختصاص جهات التحقيق والمحكمة بعد دراسة الأدلة، مؤكدة أن حماية الطفل وسلامته النفسية وخصوصيته يجب أن تبقى في صدارة التعامل مع جميع مراحل القضية.


وتبرز قضايا التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال بوصفها من القضايا شديدة الحساسية، نظراً لما قد تتركه من آثار نفسية واجتماعية طويلة الأمد، ولا سيما عندما يتأخر اكتشافها أو يمتنع الطفل عن الإفصاح عنها نتيجة الخوف أو التهديد أو الوصمة الاجتماعية.

وتتطلب مواجهتها تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والجهات المختصة ومؤسسات الحماية، إلى جانب توفير آليات آمنة للإبلاغ والتحقيق، وضمان سرية هوية الطفل وعدم تداول الصور أو المقاطع التي تكشف عنه، بما يحفظ كرامته ويمنع تعرضه لأذى إضافي، بالتوازي مع ملاحقة المعتدين ومحاسبتهم وفق القانون.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ