اعتذار الأهل لأطفالهم... أخصائية توضح أثره في نفسية الطفل
اعتذار الأهل لأطفالهم... أخصائية توضح أثره في نفسية الطفل
● مجتمع ٨ نوفمبر ٢٠٢٦

اعتذار الأهل لأطفالهم... أخصائية توضح أثره في نفسية الطفل

قد يرتكب الوالدان أخطاء في التعامل مع أطفالهما نتيجة الانفعال أو سوء الفهم أو عدم تقدير مشاعرهم، ما قد يترك آثاراً نفسية تنعكس على علاقة الطفل بأسرته، خصوصاً عندما يقابل الخطأ بالإنكار أو التبرير بدلاً من الاعتراف به ومعالجة نتائجه.

ويشكل اعتذار الأهل لأطفالهم أحد الأساليب التربوية التي تساعد على تعزيز الثقة والأمان العاطفي داخل الأسرة، وتعليم الطفل الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية، دون أن يتعارض ذلك مع دور الوالدين في التوجيه ووضع القواعد والحدود اللازمة.

وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، أوضحت الأخصائية النفسية مروة السيد علي أن الاعتذار الصادق يساعد على ترميم العلاقة بين الطفل ووالديه، ويقدم نموذجاً عملياً لاحترام مشاعر الآخرين، مؤكدة أهمية التمييز بين الاعتذار عن التصرف الخاطئ والتراجع عن المسؤولية التربوية.

 الاعتذار يعزز الأمان العاطفي والثقة

قالت السيد علي إن اعتذار الأب أو الأم عن تصرف غير مناسب يوجه رسالة واضحة إلى الطفل بأن مشاعره مهمة وكرامته محفوظة، وأن ارتكاب الخطأ لا يلغي المحبة والاحترام داخل الأسرة.

وأوضحت أن الاعتذار يسهم في تعزيز شعور الطفل بالأمان العاطفي، وتقوية ثقته بوالديه، والتخفيف من مشاعر الخوف الناتجة عن المواقف المؤذية، إلى جانب تعزيز إحساسه بقيمته وقدرته على التعبير عن مشاعره دون خوف.

وأضافت أن الاعتراف بالخطأ يساعد على بناء علاقة أسرية تقوم على الحوار والاحترام المتبادل، ويمنح الطفل شعوراً بأن والديه مستعدان للاستماع إليه ومراعاة احتياجاته النفسية.

وأشارت إلى أن بعض الآباء نشؤوا في بيئات أسرية كان يُنظر فيها إلى الوالدين باعتبارهما لا يخطئان، وكان الاعتذار يُفسر على أنه ضعف أو تراجع عن السلطة التربوية.

وبيّنت أن هذا التصور قد يدفع بعض الأهل إلى تجنب الاعتذار خشية فقدان احترام أبنائهم أو تشجيعهم على التمرد، رغم أن الاحترام، وفق توضيحها، يتعزز من خلال العدل والثقة أكثر من اعتماده على الخوف.

وأكدت أن اعتراف الوالدين بأخطائهما لا ينتقص من مكانتهما، وإنما يساعد الطفل على إدراك أن الاحترام المتبادل يشمل جميع أفراد الأسرة.

رفض الاعتذار وتأثيره في نفسية الطفل

أوضحت السيد علي أن رفض الوالدين الاعتراف بأخطائهما، أو تبرير تصرفاتهما بعبارات مثل «أنا أفعل ذلك لمصلحتك» و«أنت من أجبرني على التصرف بهذه الطريقة»، قد يدفع الطفل إلى الاعتقاد بأن مشاعره غير مهمة، وأنه لا يملك الحق في الاعتراض حتى عندما يتعرض لمعاملة غير عادلة.

وأشارت إلى أن تكرار هذه المواقف قد يؤدي إلى اهتزاز ثقة الطفل بوالديه، والتشكيك في عدالتهما وقدرتهما على تفهم احتياجاته العاطفية.

كما قد يضعف التواصل الأسري، إذ يتجنب الطفل الحديث عن مشكلاته أو التعبير عن مشاعره خشية التعرض للوم أو عدم تصديق ما يشعر به.

وأضافت أن الطفل قد يكتسب سلوك الإنكار والتبرير عندما يرى والديه يرفضان الاعتراف بأخطائهما، فيتعلم أن الاعتذار أمر محرج، وأن إلقاء المسؤولية على الآخرين أسهل من تحمل نتائج التصرفات.

ولفتت إلى احتمال تراكم مشاعر الغضب والاستياء لدى الطفل، خصوصاً عندما تتكرر المواقف المؤذية دون اعتراف أو محاولة لإصلاحها.

وبيّنت أن مطالبة الطفل بالاعتذار عن أخطائه، مقابل رفض الوالدين الاعتذار عن أخطائهما، تخلق تناقضاً في الرسائل التربوية التي يتلقاها.

الاعتراف بالخطأ يعيد بناء الثقة

قدمت السيد علي مثالاً على أهمية الاعتذار في المواقف اليومية، موضحة أنه إذا وعد الأب طفله باصطحابه في نزهة، ثم لم يلتزم بوعده، فإن الاعتراف بذلك يساعد على معالجة شعور الطفل بخيبة الأمل.

ويمكن للأب في هذه الحالة أن يقول: «أعرف أنني وعدتك ولم ألتزم بوعدي، وأتفهم أنك شعرت بخيبة أمل، وأنا أعتذر عن ذلك».

وأوضحت أن هذا الأسلوب يعزز الثقة بين الطفل ووالده، ويعلمه أن الاعتراف بالخطأ لا يقلل من قيمة الإنسان أو مكانته.

وأكدت أن أهمية الاعتذار تكمن في إظهار تفهم مشاعر الطفل وتحمل مسؤولية التصرف، بدلاً من تجاهل الموقف أو التقليل من أثره النفسي.

الوالدان نموذج لتعليم تحمل المسؤولية

أكدت الأخصائية النفسية أن الأطفال يكتسبون كثيراً من السلوكيات والقيم من خلال الملاحظة والتقليد، وليس من التوجيهات المباشرة وحدها، وهو ما يُعرف في علم النفس بالتعلم بالنموذج.

وأوضحت أن الوالدين يمثلان النموذج السلوكي الأول للطفل، ولا سيما خلال سنواته الأولى، ولذلك تؤثر طريقة تعاملهما مع الأخطاء والخلافات في كيفية استجابته للمواقف المشابهة.

فعندما يرى الطفل والديه يعترفان بأخطائهما ويعتذران عنها، يتعلم أن الخطأ جزء من التجربة الإنسانية، وأن الاعتراف به يعبر عن تحمل المسؤولية، وأن إصلاحه يتطلب تغيير السلوك إلى جانب الاعتذار اللفظي.

وشددت على أهمية تعليم الطفل التمييز بين ارتكاب تصرف خاطئ والشعور بأنه شخص سيئ، بحيث يدرك أن الخطأ يتعلق بالسلوك ويمكن تصحيحه، ولا يحدد قيمته الشخصية.

وأشارت إلى أنه عندما يشاهد الطفل والده يعتذر لأحد أفراد الأسرة بعد التحدث معه بطريقة غير لائقة، فإنه يتعلم أن احترام الآخرين لا يرتبط بالعمر أو المكانة، وأن الاعتذار مسؤولية مشتركة.

 كيف يعتذر الأهل دون فقدان دورهم التربوي؟

بيّنت السيد علي أن الاعتذار لا يتعارض مع الحزم أو وضع الحدود الأسرية، وإنما يتطلب التمييز بين التصرف الخاطئ والمسؤولية التربوية التي يمارسها الوالدان.

وأوضحت أن الأب يستطيع الاعتذار عن الصراخ أو الإهانة أو الاتهام غير العادل، دون أن يعني ذلك التراجع عن قاعدة ضرورية لحماية الطفل أو تنظيم سلوكه.

وأكدت أهمية الاعتراف بالخطأ بصورة مباشرة، بعيداً عن التبريرات التي تحمل الطفل مسؤولية انفعال والديه.

فبدلاً من القول «أنا آسف، لكنك أنت من جعلتني أغضب»، يمكن للوالد أن يقول: «أخطأت عندما اتهمتك دون أن أسمعك».

وأشارت إلى أن احترام مشاعر الطفل لا يعني الموافقة على جميع طلباته، كما أن الاعتذار لا يلغي العواقب المنطقية المرتبطة بالسلوك الخاطئ أو القواعد المتفق عليها داخل الأسرة.

ولفتت إلى ضرورة تجنب المبالغة في الاعتذار أو تحميل الطفل مسؤولية مشاعر والديه، مع المحافظة على وضوح الأدوار والحدود الأسرية.

 الاعتذار الحقيقي يتطلب تغيير السلوك

شددت السيد علي على أن الاعتذار الفعال لا يقتصر على الكلمات، وإنما ينبغي أن ينعكس على طريقة التعامل مع الطفل في المواقف اللاحقة.

وأوضحت أنه إذا كان الخطأ يتمثل في عدم الاستماع إلى الطفل أو تجاهل وجهة نظره، فإن إصلاحه يتطلب منحه فرصة للتعبير عن رأيه مستقبلاً، والتعامل مع مشاعره بقدر أكبر من الاهتمام.

وأضافت أن تكرار الاعتذار عن السلوك نفسه دون محاولة تغييره قد يضعف أثره، لأن الطفل يحتاج إلى ملاحظة تحسن فعلي في طريقة التعامل معه.

وأكدت أن تحمل المسؤولية يشمل الاعتراف بالتصرف غير المناسب، وفهم أثره في الآخرين، والعمل على تجنب تكراره.

الاعتذار والحزم في المواقف اليومية

تحدثت السيد علي عن موقف قد يتكرر داخل الأسرة، عندما يكتشف الأب أن ابنه استخدم الهاتف بعد الوقت المتفق عليه، فيغضب ويصرخ عليه، ثم يدرك لاحقاً أن رد فعله كان مبالغاً فيه.

وأوضحت أنه يمكن للأب معالجة الموقف بالقول: «أنا أعتذر لأنني صرخت عليك، وكان يجب أن أتعامل مع الموقف بهدوء أكبر، لكن اتفاقنا بشأن وقت استخدام الهاتف ما زال قائماً، وسنناقش معاً كيف نلتزم به».

وبيّنت أن هذا الأسلوب يجمع بين الاعتراف بالخطأ والمحافظة على القواعد الأسرية، إذ يعتذر الأب عن طريقة تعامله دون التراجع عن الاتفاق المتعلق باستخدام الهاتف.

وأضافت أن مثل هذه المواقف تساعد الطفل على فهم الفرق بين رفض السلوك غير المناسب واحترام الشخص الذي ارتكبه، وتعلمه أن الخلاف يمكن معالجته بالحوار دون إهانة أو إساءة.

 ثقافة الاعتذار وبناء علاقة أسرية متوازنة

أكدت الأخصائية النفسية أن اعتذار الوالدين لأطفالهما يمثل فرصة تربوية لتعزيز الثقة والاحترام المتبادل، وتنمية قدرة الطفل على الاعتراف بأخطائه وتحمل مسؤولية تصرفاته.

وأوضحت أن الحفاظ على مكانة الوالدين يرتبط بعدالة التعامل مع الأبناء ووضوح القواعد والحدود، إلى جانب الاستعداد للاستماع إلى مشاعرهم وتصحيح التصرفات غير المناسبة.

ويعتمد نجاح الاعتذار داخل الأسرة على صدقه وارتباطه بتغيير السلوك، مع تجنب التبرير وإلقاء اللوم على الطفل، بما يساعد على معالجة الخلافات اليومية دون الإضرار بالعلاقة العاطفية بين أفراد الأسرة.

وتبقى الموازنة بين الاعتذار والحزم من الجوانب المهمة في التربية، إذ تمنح الطفل نموذجاً عملياً لاحترام الآخرين وتحمل المسؤولية، وتساعد الوالدين على ممارسة دورهما التربوي في بيئة أسرية قائمة على الثقة والحوار والاحترام.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ