إتلاف الممتلكات أثناء الخلاف.. متى يتحول الغضب إلى مسؤولية قانونية؟
تتحول الخلافات اليومية في بعض الحالات إلى أفعال تتجاوز حدود النقاش أو المشاجرة، لتطال ممتلكات أحد الأطراف بالكسر أو الإتلاف، وهو ما ينقل الواقعة من إطارها الشخصي إلى مسألة قد تترتب عليها مسؤولية قانونية. وفي مثل هذه الحالات، تبرز أهمية توثيق الضرر وتحديد كيفية وقوعه والأدلة المتاحة، باعتبارها عوامل أساسية في إثبات المسؤولية وحفظ حق المتضرر في المطالبة بالتعويض.
الانفعال لا يلغي المسؤولية
قال المحامي حسن المحمد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن حالات إتلاف ممتلكات أحد الأطراف تحدث كثيراً أثناء الخلافات والمشاجرات، موضحاً أن إتلاف مال الغير يمثل فعلاً غير مشروع يمكن أن يرتب مسؤولية مدنية وجزائية.
وأشار إلى أن المادة 164 من القانون المدني السوري تنص على أن «كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض»، موضحاً أن وقوع الإتلاف في حالة انفعال أو خلال مشاجرة لا ينفي المسؤولية عن الضرر ولا يشكل، بحد ذاته، عذراً قانونياً يعفي مرتكب الفعل منها.
وبحسب المحمد، فإن المتضرر يحتاج لإثبات ثلاثة عناصر أساسية، هي وقوع الفعل الضار من الطرف الآخر، ووجود ضرر مادي يمكن تحديده وتقدير قيمته، ووجود علاقة سببية بين الفعل والضرر الذي أصاب الممتلكات.
هل يختلف الإتلاف المتعمد عن غير المقصود؟
وأوضح المحمد أن الوصف الجزائي للواقعة يختلف بحسب ما إذا كان الإتلاف مقصوداً ومتعمدًا، أو وقع أثناء المشاجرة دون وجود قصد مباشر لإتلاف الممتلكات.
فإذا ثبت أن الشخص تعمد إتلاف مال الغير، أوضح المحمد أن الواقعة قد تشكل جرماً جزائياً يستوجب العقوبة، إلى جانب حق المتضرر بالمطالبة بالتعويض المدني عن الأضرار التي لحقت به.
أما إذا وقع الضرر خلال المشاجرة دون قصد مباشر إلى الإتلاف، فأشار إلى أن المسؤولية المدنية عن الضرر تبقى قائمة، فيما يمكن أن تختلف المسؤولية الجزائية والعقوبة وفق ظروف الواقعة وما يثبت أمام القضاء.
وبذلك لا يكفي القول إن الضرر وقع «في لحظة غضب» لحسم المسؤولية، وإنما ينظر إلى الفعل نفسه وكيفية وقوعه والقصد المرتبط به والنتيجة التي ترتبت عليه.
كيف يثبت المتضرر ما حدث؟
ويشكل إثبات الواقعة أحد أهم جوانب هذا النوع من النزاعات، خصوصاً عندما يقدم كل طرف رواية مختلفة لما حدث أثناء المشاجرة.
وقال المحمد إن القضاء يمكن أن يستند في إثبات الواقعة إلى تسجيلات كاميرات المراقبة، والصور ومقاطع الفيديو الملتقطة عقب الحادث، وشهادات الأشخاص الذين حضروا الخلاف، إضافة إلى الضبط الشرطي المنظم بشأن الواقعة.
كما تدخل الفواتير والمستندات المرتبطة بالممتلكات المتضررة ضمن الأدلة الممكن تقديمها، فيما يمكن الاعتماد على الخبرة الفنية لتحديد طبيعة الضرر وتقدير قيمة الممتلكات المتلفة أو تكلفة إصلاحها.
وتكتسب سرعة توثيق الضرر أهمية خاصة، لأن حالة الممتلكات قد تتغير بعد الحادث، ولا سيما إذا جرى إصلاحها أو استبدالها قبل معاينتها وتقدير الضرر الذي أصابها.
لا تتسرع في إصلاح الممتلكات
ولفت المحامي حسن المحمد، في تصريح خاص لـ«شام»، إلى أهمية تنظيم ضبط شرطي في وقت قريب من وقوع الحادث، بما يسمح بتوثيق الواقعة والأضرار وتحديد الشهود المتاحين.
ونصح المتضرر بالاحتفاظ بالممتلكات المتضررة وعدم إصلاحها قبل إجراء الخبرة عند الحاجة، حتى لا تضيع إمكانية معاينة حالتها الأصلية وتقدير الضرر بصورة دقيقة.
كما تبرز أهمية الاحتفاظ بالصور ومقاطع الفيديو والفواتير والمراسلات أو أي مواد أخرى يمكن أن تساعد في إثبات ما جرى وربط الضرر بالواقعة.
شكوى جزائية أم مطالبة بالتعويض؟
وأوضح المحمد أن أمام المتضرر مسارات قانونية للمطالبة بحقه، إذ يمكنه إقامة دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن قيمة الإصلاح أو قيمة المال في حال هلاكه، كما يمكن تقديم شكوى جزائية عند توافر عناصر جرم إتلاف مال الغير.
وأشار إلى إمكانية المطالبة بالتعويض المدني ضمن الدعوى الجزائية، بحسب طبيعة القضية والإجراءات المتبعة، مؤكداً أن تحديد المسار المناسب يرتبط بوقائع كل حالة والأدلة المتوافرة فيها.
وشدد المحمد على أهمية توثيق جميع التفاصيل المتعلقة بالحادث، مع إمكانية محاولة تسوية النزاع ودياً، وفي حال تعذر الوصول إلى حل، يمكن للمتضرر اللجوء إلى الجهات المختصة للمطالبة بحقه.
التعويض يحتاج إلى إثبات الضرر
ولا تتوقف القضية عند إثبات أن شخصاً كسر أو أتلف شيئاً يملكه الطرف الآخر، بل تبرز أيضاً مسألة تحديد قيمة الضرر الذي ترتب على الفعل.
وهنا تظهر أهمية الفواتير والخبرة الفنية، خصوصاً في الممتلكات التي يمكن إصلاحها، إذ يختلف الضرر بين حالة تستوجب إصلاح جزء من الممتلكات وحالة أخرى تؤدي إلى فقدانها أو تعذر استخدامها بصورة كاملة.
وبحسب ما أوضحه المحمد، يرتبط التعويض بالضرر المثبت، ما يجعل توثيق حالة الممتلكات وقيمتها وتكلفة إصلاحها جزءاً أساسياً من المطالبة القانونية.
الخلاف لا يبرر إتلاف الممتلكات
ومن الناحية القانونية، فإن وجود خلاف سابق بين الطرفين لا يلغي المسؤولية عن الأفعال التي تقع خلاله، كما أن تحديد الطرف الذي كان محقاً في أصل النزاع يختلف عن تحديد المسؤولية عن إتلاف الممتلكات.
فقد يكون هناك نزاع شخصي أو مالي أو عائلي بين شخصين، لكن إتلاف أحدهما ممتلكات الآخر ينشئ واقعة منفصلة يجري تقييمها وفق الفعل والضرر والأدلة المرتبطة بها.
ويصبح التمييز بين أصل الخلاف والفعل الناتج عنه مهماً عند النظر في القضية، إذ تتركز المسؤولية عن الإتلاف على إثبات من تسبب بالضرر وكيف وقع وما النتائج التي ترتبت عليه.
التوثيق يحفظ الحق
وتختلف حالات إتلاف الممتلكات من واقعة إلى أخرى، فلا يمكن التعامل مع جميع المشاجرات وفق وصف قانوني واحد، خصوصاً مع اختلاف القصد وحجم الضرر وطريقة وقوعه والأدلة المتوافرة.
لكن العامل المشترك، وفق المحمد، يبقى في أهمية توثيق الواقعة منذ بدايتها، وعدم الاكتفاء بالاتهامات الشفهية، وحفظ الأدلة التي يمكن أن تساعد الجهات المختصة في معرفة ما حدث وتقدير الضرر.
وتبقى معالجة حالات إتلاف الممتلكات مرتبطة بظروف كل واقعة وما يتوافر بشأنها من أدلة، إذ إن تحديد المسؤولية وقيمة الضرر والتعويض المستحق يخضع للتقييم القانوني والقضائي. ويشكل توثيق الواقعة والأضرار منذ وقوعها خطوة أساسية لحفظ حقوق الأطراف، بعيداً عن التصعيد أو محاولة استيفاء الحق بصورة فردية خارج الأطر القانونية.