آثار إدلب بين ذاكرة الحضارات وأضرار السنوات الماضية
تضم محافظة إدلب مواقع أثرية عدة تعود إلى حضارات وفترات زمنية مختلفة، إلا أنها واجهت خلال السنوات الماضية أضراراً وتحديات أثرت على واقعها، ما دفع الجهات المختصة إلى تنفيذ مبادرات للحفاظ عليها ورفع مستوى الاهتمام بها.
أهمية الحملات وأهدافها
في هذا السياق، قال حسان الإسماعيل، مدير آثار إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الحملات التي أطلقتها المديرية لتنظيف عدد من المواقع الأثرية، ومنها موقع سرجيلا وقلب لوزة، هدفت إلى حماية المواقع الأثرية وفتح مسارات أمام الزوار والباحثين، إلى جانب القيام بدور توعوي للمجتمع المحلي.
وأوضح أن هذه الحملات حققت نتائج تقنية تمثلت في حماية الموقع من خلال إظهار وكشف المعلم الأثري، كما حققت نتائج سياحية عبر تسهيل حركة وتأهيل مسارات للزوار والباحثين داخل الموقع، إضافة إلى إزالة النباتات الضارة من المواقع المستهدفة، فضلاً عن النتائج التوعوية.
وأشار إلى أن هذه المبادرات تعد بمثابة إسعاف أولي للمواقع الأثرية، وتسهم في رفع منسوب الوعي المجتمعي، وإبقاء ملف الآثار على الخارطة الثقافية العالمية، وبين أن الخطط المتعلقة بإطلاق حملات جديدة موجودة ومستمرة، لافتاً إلى أن التركيز يكون على المواقع الأكثر ارتياداً من قبل الناس.
وذكر الإسماعيل أن مواقع آثار إدلب تضم مئات المواقع الأثرية، وهي بمجملها مواقع بارزة، موضحاً أن من أبرزها موقع إيبلا (تل مرديخ)، حيث تم اكتشاف الرقم المسمارية الطينية فيها، إضافة إلى موقعي البارة وسرجيلا اللذين يعدان من أبرز المواقع البيزنطية، ولفت إلى أن عمل المديرية يواجه العديد من التحديات، إلا أن نقص التمويل والتوسع العمراني يعدان من أبرز هذه التحديات التي تؤثر على حماية المواقع الأثرية.
تأثير الظروف على المواقع الأثرية خلال السنوات السابقة
وتحدث عن تأثير السنوات الماضية على المواقع الأثرية، منوهاً إلى أن الفترة الطويلة التي مرت بها المنطقة أدت إلى تعرض بعض المواقع للقصف، ما تسبب بدمار أجزاء منها، إضافة إلى تعرض بعض المواقع للحفر، وتكسير الحجارة واستخدامها في البناء الحديث، فضلاً عن تأثير غياب الصيانة والترميم لفترة طويلة.
وأكد أن لدى مديرية آثار إدلب العديد من الخطط لإعادة تأهيل المواقع المتضررة، إذ قامت بتوثيق الأضرار في أغلب المواقع، ووضع أولويات للترميم، إلا أن غياب المنظمات الداعمة يعيق تنفيذ هذه الخطط، ونوه إلى أهمية دور المجتمع المحلي في حماية المواقع الأثرية، لاسيما أن أن هذا الدور كبير وهام، وذلك من خلال الإبلاغ عن أي ضرر قد يحصل، ونشر الوعي، وتجنب أعمال الحفر وتكسير الحجر واستصلاح الأراضي في المواقع الأثرية، لا سيما أن أغلب المواقع تقع ضمن أملاك خاصة.
وأفاد الإسماعيل بوجود مؤسسات حكومية تقدم الدعم للمديرية ضمن إمكانياتها، مثل وزارة الكوارث والطوارئ، إضافة إلى منظمات مثل حراس الحقيقة ومنظمة تراث من أجل السلام ومنظمة سمات، وأوضح أن هذه المشاريع تندرج ضمن الأعمال الإسعافية.
وأشار إلى أن المنظمات الدولية والكبرى، مثل اليونسكو، لم تقدم حتى الآن أي تعاون أو دعم، وأعرب عن الأمل بأن تقدم في الفترة المقبلة دعماً لأعمال الترميم والصيانة، ولفت إلى أن محافظة إدلب تضم خمس منتزهات أثرية تحتوي على أكثر من عشرين قرية أثرية.
أهمية ٱثار محافظة إدلب
وفي سياق متصل، قال أيمن كعيد، خريج قسم الآثار والعامل لدى دائرة آثار دمشق القديمة – مكتب المراقبة، في تصريح خاص لـ شام، إن محافظة إدلب في شمال غرب سوريا تُعد من أهم الحاضنات لتاريخ وثقافة المنطقة، حيث تلتقي فيها الحضارات التاريخية القديمة، وتحتضن نحو ثلث المواقع الأثرية من الجغرافية السورية، ما يشكّل مزيجاً يعبر عن تجدد الثقافات.
ولفت إلى أن المكتشفات الأثرية الجديدة لا تزال تفاجئ حتى اليوم بتاريخها الحي، كما في المدافن الأثرية في معرة النعمان التي تم اكتشافها بالصدفة وتعود للعصر البيزنطي، وأضاف أن منطقة إيبلا (تل مرديخ) تحتوي ضمن أرشيفها الضخم على آلاف الرقم المسمارية التي تؤرخ تاريخ وثقافة المنطقة آنذاك، وتشكل وثيقة تاريخية وأثرية غاية في الأهمية.
وأشار إلى أن موقعي سرجيلا والبارة، اللذين يندرجان ضمن ما يُعرف بالمدن المنسية، حيث تُعد سرجيلا من أكمل المواقع الأثرية الباقية حتى الآن، وتعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي، وتشتهر ببيوتها السكنية الطابقية ومعاصر الخمر والزيتون، إضافة إلى الكنائس البيزنطية المنتشرة في الموقع، إلى جانب موقع البارة الذي يتميز بمدافنه الملكية الهرمية.
ونوّه كعيد إلى أن أهمية مناطق شمال سوريا تنبع من كونها كانت إحدى المدارس الكلاسيكية البيزنطية في الشرق، ذات طابع خاص في إنتاج مختلف أنواع الفنون، بما في ذلك لوحات الفسيفساء، التي يذخر متحف معرة النعمان بالعديد منها.
وبيّن أن العديد من المواقع الأثرية تعرضت خلال سنوات الثورة السورية لحملات قصف عنيفة من قبل النظام البائد وأعوانه، شملت مواقع مثل إيبلا، ومتحف إدلب، وخان مراد باشا (متحف معرة النعمان)، ما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بها.
ولفت إلى أن ذلك نتج عنه هدم شبه كامل وطمس لمعالم مميزة، من بينها الأضرار التي لحقت بواجهات القاعات في مبنى خان مراد باشا في معرة النعمان، إضافة إلى تهديد السلامة العامة من خلال زراعة الألغام بالقرب من مواقع أثرية أخرى.
وذكر أيمن كعيد أن للمجتمع دوراً محورياً وكبيراً في المحافظة على الإرث التاريخي والحضاري، من خلال الامتناع عن أي أعمال تؤدي إلى الإضرار أو التخريب بالمواقع الأثرية والتراثية، إلى جانب تعزيز الوعي بأهمية الآثار، إذ تمثل هوية تاريخية شاهدة على ثقافة المنطقة.
وتبقى المواقع الأثرية في إدلب شاهدة على مراحل تاريخية متعددة، إذ تضم شواهد تعود إلى حضارات مختلفة، في وقت تعمل الجهات المختصة على متابعة واقع هذه المواقع وتوثيق ما تعرضت له، ضمن مساعي الحفاظ على ما تبقى من معالمها الأثرية.