«مشرف أنشطة» بدلاً من «مرشد نفسي».. قرار التربية يثير تحفظات المختصين
«مشرف أنشطة» بدلاً من «مرشد نفسي».. قرار التربية يثير تحفظات المختصين
● مجتمع ١٨ أغسطس ٢٠٢٦

«مشرف أنشطة» بدلاً من «مرشد نفسي».. قرار لوزارة التربية يثير تحفظات مختصين

أثار قرار وزارة التربية والتعليم الصادر في 3 آب/أغسطس 2026، والمتعلق بإعادة هيكلة العمل في المدارس وتعديل مهام ومسمى العاملين في مجال الإرشاد النفسي، نقاشاً بين مرشدين وأخصائيين نفسيين، بعد إدراج مسمى «مشرف أنشطة» وإسناد مهام المرشد النفسي إليه، إلى جانب مجموعة واسعة من المهام الإدارية والرقابية والتنظيمية والتدريب على السلامة والإسعاف ومواجهة الحرائق.

وتواصل عدد من العاملين في مجال الإرشاد والصحة النفسية، عقب صدور القرار، مع وزارة التربية ووسائل الإعلام وأعضاء في مجلس الشعب، كما أطلقوا حملة شارك فيها مختصون وأساتذة جامعات وعاملون في كلية التربية وعدد من الوزارات والمؤسسات الرسمية.

وأطلق القائمون على الحملة عريضة بعنوان «ورقة موقف بشأن القرار 1056 المتعلق بهيكلة العمل في المدارس السورية وتعديل مهام ومسمى المرشد النفسي»، قال مختصون إنها حصدت حتى الآن توقيع أكثر من 400 مرشد وأخصائي وأكاديمي وتربوي.

خلط بين اختصاصين
وقال الدكتور مطاع بركات، الأستاذ المساعد سابقاً في قسم الإرشاد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تغيير مسمى «المرشد النفسي المدرسي» إلى «مشرف أنشطة» يعكس خلطاً في فهم طبيعة الإرشاد النفسي المدرسي وحدود دوره، كما قد يشير إلى وجود تصور لدى أصحاب القرار بوجود مشكلات مرتبطة بأداء المرشدين أو كفاءتهم وفاعليتهم.

وأوضح بركات أن وجود مشكلات في أداء الإرشاد النفسي، إن ثبت، يستدعي دراسة أسبابها ووضع معايير واضحة لمعالجتها وتحسين الأداء، بالتعاون مع المختصين المطلعين على واقع التجربة السورية، بدلاً من تغيير المسمى والوظيفة.

وأشار إلى أن تحويل المرشد النفسي إلى «مشرف أنشطة» من شأنه خفض مكانة الاختصاص مهنياً، في وقت ازدادت فيه حاجة المجتمع إلى خدمات الصحة النفسية، معتبراً أن معالجة التحديات التي تواجه المرشدين وتطوير أدوات عملهم يمكن أن تحقق نتائج أفضل من استبدال المسمى بوظيفة ذات طبيعة مختلفة.

مهام رقابية تتعارض مع دور المرشد
وبيّن بركات أن الأنشطة الصفية واللاصفية تمثل جزءاً مهماً من العملية التربوية، إلا أن المهام الواردة ضمن توصيف «مشرف الأنشطة» تشمل أدواراً رقابية وانضباطية تجعل صاحبها ممثلاً للسلطة المدرسية، وهو ما يتعارض، بحسب رأيه، مع طبيعة العلاقة التي يحتاج إليها المرشد النفسي والقائمة على الثقة والسرية وتقديم الدعم للطالب.

ولفت إلى أن بعض المهام تعيد إلى الأذهان أدواراً كانت تسند سابقاً إلى مدربي التربية العسكرية، مثل متابعة الانضباط واللباس وغيرها من الجوانب التنظيمية، وهي مسؤوليات تختلف عن طبيعة الإرشاد النفسي.

ونبّه إلى أن صياغة التعميم تجعل تخصص الإرشاد النفسي أحد الخيارات للتقدم لوظيفة «مشرف الأنشطة»، ما يعني أن الاختصاص النفسي لم يعد شرطاً حصرياً لشغل الوظيفة رغم احتفاظها بمهام إرشادية، معتبراً أن ذلك قد يضعف القيمة المهنية للاختصاص ويؤثر في قدرة المدارس على التعامل مع المشكلات النفسية والسلوكية والانفعالية للطلاب.

بدائل لتطوير الإرشاد النفسي
وذكر بركات أن تحسين أداء المرشدين يمكن أن يتم من خلال دراسة ظروف عملهم وصلاحياتهم وتوفير التدريب المستمر والدعم المهني لهم، بما يمكنهم من التعامل مع التحديات النفسية المتزايدة بين طلبة المدارس.

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة بين وزارة التربية وكليات التربية في إعداد المرشدين، ومعالجة المشكلات المرتبطة بالتدريب الأكاديمي والعملي، وتحديث المناهج بما يتناسب مع طبيعة المسؤوليات التي يفترض أن يؤديها المرشد داخل المدرسة.

ازدواجية في المهام
وقال صلاح الدين لكه، المختص النفسي والمشرف في المجال، في تصريح خاص لـ«شام»، إن القرار جمع بين نوعين مختلفين من المسؤوليات، إذ تضمن مهام تتوافق مع عمل المرشد، مثل متابعة الحالات ورصد المشكلات النفسية والسلوكية وتقديم الدعم النفسي والتوجيه للأسرة، إلى جانب مهام تنظيمية ورقابية تختلف عن طبيعة اختصاصه.

وأوضح لكه أن متابعة دخول الطلاب وخروجهم والاجتماع الصباحي والزي المدرسي والرحلات والمناسبات وبعض مسؤوليات السلامة والانضباط تمثل مهام ضرورية للمدرسة، لكنها لا تدخل في صميم اختصاص المرشد النفسي.

وأشار إلى أن كثرة هذه المسؤوليات قد تشغل المرشد بالأعمال الإدارية والتنظيمية على حساب وظيفته الأساسية في متابعة الطلاب، إذ سيقل الوقت المتاح للمقابلات ومتابعة الحالات والتواصل مع الأسر والمعلمين.

مخاوف على ثقة الطالب
وأكد لكه أن التأثير المحتمل لا يرتبط بالوقت فقط، وإنما بطبيعة العلاقة بين الطالب والمرشد، إذ يحتاج الطالب إلى النظر للمرشد بوصفه شخصاً يستطيع اللجوء إليه عند الشعور بالخوف، أو مواجهة مشكلة أسرية أو مدرسية، أو التعرض للتنمر، أو فقدان شخص قريب، أو المرور بصعوبات نفسية ودراسية.

وأوضح أن تكليف الشخص نفسه بمراقبة الزي ودخول الطلاب وخروجهم وبعض جوانب الانضباط قد يجعله في نظر الطالب جزءاً من السلطة الرقابية داخل المدرسة، ما قد يقلل استعداد الطلاب للحديث معه عن مشكلاتهم الخاصة أو العاطفية والعلاقاتية الحساسة.

وشدد على ضرورة أن يشعر الطالب بأنه يستطيع إخبار المرشد بأنه خائف أو يواجه مشكلة في المنزل أو تعرض للتنمر أو لمضايقة من شخص داخل المدرسة، دون الشعور بأنه يتحدث إلى شخص يتولى في الوقت نفسه مهمة مراقبته ومحاسبته.

مخاوف من إسناد الإرشاد لغير المختصين
وحذر لكه من عدم حصر الوظيفة بخريجي علم النفس والإرشاد النفسي، مشيراً إلى أن القرار يتيح، وفق قراءته، إسناد وظيفة «مشرف أنشطة» لخريجين من تخصصات جامعية أو معاهد أخرى، رغم احتواء مهام الوظيفة على مسؤوليات مرتبطة بالإرشاد النفسي.

وأوضح أن ممارسة الإرشاد من قبل شخص غير متخصص قد تطرح مشكلات عند التعامل مع المقابلات النفسية أو المشاعر الشديدة والذكريات الصادمة التي قد يواجهها الطلاب تحت تأثير ظروف أو ضغوط معينة.

وأكد أن الإرشاد النفسي يشمل أيضاً الوقاية والتوعية والكشف المبكر، وهي مسؤوليات تتطلب وقتاً وحضوراً مستمراً داخل المدرسة، محذراً من أن توسع المهام الإدارية والرقابية سيقلص المساحة المتاحة للتواصل مع الطلاب والمعلمين والأهالي.

آثار الحرب تزيد الحاجة للمختصين
وأشار لكه إلى أن الأطفال الذين لا يزالون يعانون آثار النزوح والظروف القاسية خلال الحرب في سوريا يمثلون إحدى الفئات الأكثر حاجة إلى وجود مختص داخل المدرسة، موضحاً أن الآثار النفسية قد تظهر على هيئة تراجع دراسي أو عدوانية أو عزلة أو غياب متكرر أو صعوبة في التركيز.

ونبّه إلى إمكانية استعادة الأطفال للخبرات والذكريات الصادمة تحت تأثير بعض الظروف والضغوط، ما يتطلب وجود مرشد مؤهل تربطه بالطلاب علاقة قائمة على الثقة، بعيداً عن الدور الرقابي والتفتيشي اليومي.

تطوير المرشد ومساءلته
وأكد لكه أن الاعتراض على القرار لا يعني إعفاء المرشدين أنفسهم من التطوير والمساءلة، مشيراً إلى ضرورة أن يثبت المرشد من خلال عمله استحقاقه لثقة الطالب والأسرة والمدرسة، وأن يسهم في تغيير الصورة النمطية المرتبطة بضعف أداء بعض العاملين في هذا المجال أو تعيينهم سابقاً عبر المحسوبيات.

ودعا إلى توفير الإشراف والتدريب والدعم المهني للمرشدين من زملائهم ومديريات الإرشاد النفسي في المحافظات ووزارة التربية، إلى جانب وضع آلية واضحة لإحالة الحالات التي تحتاج إلى خدمات نفسية متخصصة خارج المدرسة.

وشدد على أهمية تعزيز التعاون بين وزارة التربية، ممثلة بدوائر الإرشاد النفسي، ووزارة الصحة والجامعات وأقسام الصحة النفسية وعلم النفس والإرشاد، بما يضمن تطوير خدمات الدعم النفسي داخل المدارس والحفاظ على خصوصية الدور المهني للمرشد النفسي.

بدأ الإرشاد النفسي في المدارس السورية بوصفه اختصاصاً يهدف إلى متابعة المشكلات النفسية والسلوكية والتربوية لدى الطلاب، وتقديم الدعم والإرشاد لهم، والتواصل مع أسرهم والكوادر التعليمية عند الحاجة، إلى جانب أدواره في الوقاية والكشف المبكر عن المشكلات التي قد تؤثر في التحصيل الدراسي والاستقرار النفسي والاجتماعي للطلبة.

وتزايدت أهمية هذا الدور خلال سنوات الحرب في سوريا وما أعقبها، مع تعرض أعداد كبيرة من الأطفال واليافعين للنزوح وفقدان أفراد من أسرهم والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية وتجارب العنف، وهي ظروف يمكن أن تنعكس على سلوك الطلاب وقدرتهم على التعلم والتكيف داخل المدرسة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ