60 عاماً خلف القضبان.. القضاء الأمريكي يدين مدير سجن عدرا السابق بتعذيب المعتقلين
أصدرت محكمة فيدرالية أمريكية حكماً بالسجن لمدة 60 عاماً بحق العميد السابق سمير عثمان الشيخ، المدير الأسبق لسجن عدرا المركزي وأحد مسؤولي نظام الأسد البائد، بعد إدانته بتعذيب سجناء والكذب على سلطات الهجرة الأمريكية لإخفاء ماضيه والحصول على الإقامة ومحاولة نيل الجنسية الأمريكية، في قضية وصفتها وزارة العدل بأنها تمثل محاسبة لأرفع مسؤول سابق في النظام يُحاكم ويُدان حضورياً خارج سوريا.
وأوضحت وزارة العدل الأمريكية أن الشيخ، البالغ من العمر 74 عاماً، أدين أمام هيئة محلفين في 16 آذار/مارس الماضي بتهمة التآمر لارتكاب التعذيب وثلاث تهم بالتعذيب، إضافة إلى الاحتيال المرتبط بوثائق الهجرة ومحاولة الاحتيال للحصول على الجنسية، فيما بقي رهن الاحتجاز الفيدرالي منذ اعتقاله في تموز/يوليو 2024.
من إدارة عدرا إلى السجن في الولايات المتحدة
كشفت الأدلة المقدمة خلال محاكمة استمرت أسبوعين أن الشيخ تولى إدارة سجن دمشق المركزي المعروف باسم "سجن عدرا" بين عامي 2005 و2008 تقريباً، وأنه أمر مرؤوسيه بممارسة التعذيب بحق سجناء وشارك شخصياً في بعض الانتهاكات، قبل أن يُعين لاحقاً محافظاً لدير الزور عام 2011.
وأكدت وزارة العدل أن الانتهاكات التي ثبتت أمام المحكمة شملت استخدام التعذيب لمعاقبة سجناء وإسكات معارضين سياسيين، فيما نقلت عن مساعد المدعي العام أ. تايسن دوفا قوله إن الشيخ أصبح أرفع مسؤول سابق في نظام الأسد يُحاكم ويُدان حضورياً خارج سوريا، معتبراً أن القضية تؤكد أن الولايات المتحدة لن تكون ملاذاً آمناً لمنتهكي حقوق الإنسان.
"الجناح 13".. شهادات تكشف أساليب التعذيب
استمعت المحكمة إلى شهادات ثلاثة من الضحايا الذين تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب ومشاهدتهم أو سماعهم تعذيب سجناء آخرين داخل عدرا، وأظهرت الأدلة أن الشيخ أمر بإرسال سجناء إلى قسم تحت الأرض عُرف باسم "الجناح 13"، حيث احتُجزوا داخل زنازين عزل صغيرة وتعرضوا لانتهاكات جسدية قاسية.
ووثقت الشهادات المقدمة أمام المحكمة استخدام أساليب بينها ما يعرف بـ"بساط الريح"، الذي يُثنى فيه جسد المعتقل بصورة قسرية، إلى جانب تعليق سجناء وضربهم أثناء تقييدهم، ووضع بعضهم داخل إطارات قبل الاعتداء عليهم، فيما قالت وزارة العدل إن الشيخ أمر بهذه الممارسات وشارك بصورة مباشرة في أعمال تعذيب طالت الضحايا الثلاثة الواردة أسماؤهم في لائحة الاتهام.
وأظهرت القضية أن بعض الضحايا تعرضوا للعقاب بعد رفضهم إيذاء معتقلين سياسيين أو إظهارهم دعماً لهم، في حين وصف مسؤولون أمريكيون الأفعال التي أثبتتها المحكمة بأنها انتهاكات جسيمة، وأشادوا بالضحايا الذين قدموا شهاداتهم وساهموا في الوصول إلى الإدانة والحكم.
أخفى ماضيه للوصول إلى الولايات المتحدة
وأثبتت المحكمة أن الشيخ أخفى ماضيه عن سلطات الهجرة الأمريكية، إذ قدم معلومات كاذبة بشأن مشاركته في أعمال التعذيب والعنف خلال إجراءات الهجرة، وحصل على الإقامة الدائمة، ثم واصل إخفاء تلك الوقائع في طلب تقدم به عام 2023 للحصول على الجنسية الأمريكية.
ودخل الشيخ الولايات المتحدة عام 2020، قبل اعتقاله في تموز/يوليو 2024، فيما شاركت في التحقيق أجهزة أمريكية عدة، بينها تحقيقات الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي، مع مساهمة من الشرطة الجنائية الفيدرالية الألمانية التي ساعدت، وفق وزارة العدل، في ترتيب لقاءات مع عدد من الشهود الموجودين في ألمانيا.
وأكد مسؤولون في وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي أن القضية تحمل رسالة إلى المتهمين بارتكاب انتهاكات حقوقية ممن يحاولون الاستقرار في الولايات المتحدة وإخفاء ماضيهم، فيما قال مسؤول في الـFBI إن الضحايا الذين شهدوا ضد الشيخ قد يجدون بعض العزاء في أن مدير سجنهم السابق أصبح هو نفسه سجيناً.
مسارات قضائية تلاحق مسؤولي نظام الأسد البائد
ويأتي الحكم على الشيخ ضمن مسارات قضائية شهدتها دول غربية خلال السنوات الأخيرة لملاحقة مسؤولين سابقين في نظام الأسد البائد على خلفية اتهامات مرتبطة بالتعذيب وجرائم دولية، مستفيدة في عدد من القضايا من وجود المتهمين أو الضحايا والشهود على أراضي تلك الدول.
ويمنح الحكم الأمريكي أهمية خاصة لشهادات الناجين والأدلة التي جُمعت على مدى سنوات، إذ انتقلت القضية من توثيق ما جرى داخل سجن عدرا إلى محاكمة انتهت بإدانة مديره السابق والحكم عليه بالسجن ستة عقود، في واحدة من أبرز القضايا القضائية خارج سوريا المرتبطة بانتهاكات ارتكبها مسؤول سابق في نظام الأسد البائد.