دراسة دولية: سوريا مرشحة لتصبح عقدة الطاقة الأهم بين الخليج وأوروبا
طرحت دراسة حديثة صادرة عن معهد "New Lines" رؤية جيوسياسية واقتصادية طموحة تقوم على تحويل سوريا وتركيا إلى مركز إقليمي لإعادة توزيع الطاقة في القرن الحادي والعشرين، عبر مشروع أطلقت عليه اسم "مبادرة البحار الأربع"، والذي يربط الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود ضمن شبكة متكاملة من خطوط النفط والغاز والبنية التحتية العابرة للحدود.
واعتبرت الدراسة أن سقوط نظام الأسد البائد أواخر عام 2024 أتاح فرصة نادرة لإعادة رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط وأوروبا، وتحويل سوريا من ساحة صراع إقليمي إلى ممر استراتيجي يربط منتجي الطاقة في الخليج وآسيا الوسطى بالأسواق الأوروبية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد وقدرتها على لعب دور محوري في أمن الطاقة العالمي.
سوريا في قلب ممرات الطاقة
أشارت الدراسة إلى أن التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الماضية تمثل أحد أبرز التغيرات الجيوسياسية في المنطقة منذ عام 2003، لافتة إلى أن الحكومة السورية الجديدة أبدت انفتاحاً على التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وتركيا في آن واحد، ما عزز فرص دمج سوريا في مشاريع اقتصادية واستثمارية كبرى.
ورأت أن واشنطن بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية لدعم هذا التحول عبر تخفيف العقوبات وإعادة ربط البنك المركزي السوري بالنظام المالي العالمي، إلى جانب دعم اتفاقيات استثمارية ومشاريع طاقة واسعة النطاق، في وقت أعاد فيه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك طرح فكرة "البحار الأربع" باعتبارها بديلاً استراتيجياً للممرات البحرية المهددة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
أربعة ممرات استراتيجية
اقترحت الدراسة إنشاء أربعة ممرات رئيسية للطاقة، تشمل نقل النفط من دول الخليج إلى ميناء بانياس عبر الأردن وسوريا، وإعادة تأهيل خط كركوك – بانياس وتوسيع طاقته التشغيلية، وربط الشبكات السورية بخطوط الغاز القادمة من أذربيجان وتركمانستان عبر تركيا، إضافة إلى تحديث خط الغاز العربي الممتد من مصر مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا والأسواق الأوروبية.
وأكدت أن سوريا تمتلك أساساً بنية تحتية مهمة يمكن البناء عليها، إذ كانت تدير قبل الحرب في سوريا أكثر من 6300 كيلومتر من خطوط النفط والغاز، ما يجعل عمليات إعادة التأهيل أقل تكلفة وأسرع تنفيذاً من إنشاء شبكات جديدة بالكامل.
عوائد اقتصادية واعدة
أوضحت الدراسة أن المشروع لا يقتصر على دور سوريا كممر لعبور الطاقة، بل يشمل إعادة بناء قطاع الطاقة السوري نفسه، مشيرة إلى أن إنتاج النفط السوري تراجع من نحو 380 ألف برميل يومياً قبل الحرب إلى قرابة 110 آلاف برميل مطلع عام 2026، فيما تستهدف المؤسسة السورية للنفط رفع الإنتاج إلى 200 ألف برميل يومياً قبل نهاية العام، وصولاً إلى 800 ألف برميل بحلول عام 2029.
وأضافت أن الاحتياطات النفطية القابلة للاستخراج تقدر بنحو 2.5 مليار برميل، مع إمكانية تحقيق عائدات سنوية تتراوح بين 4.6 و6.1 مليارات دولار، فضلاً عن فرص واعدة للتنقيب البحري في شرق المتوسط أبدت شركات دولية اهتماماً بها خلال الفترة الأخيرة.
ورجحت الدراسة أن تحقق سوريا مستقبلاً ما بين 3 و6 مليارات دولار سنوياً من رسوم عبور النفط والغاز، لترتفع الإيرادات الإجمالية المرتبطة بقطاع الطاقة إلى ما بين 8 و12 مليار دولار سنوياً خلال العقد المقبل، بما يوفر مورداً مالياً مهماً لدعم إعادة الإعمار وتمويل الخدمات العامة.
تنافس دولي على النفوذ
رأت الدراسة أن المشروع يحمل أبعاداً سياسية وجيوسياسية تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ تسعى أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على الغاز الروسي، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى المبادرة باعتبارها فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري في المنطقة وترسيخ نفوذ حلفائها.
واعتبرت أن "مبادرة البحار الأربع" تمثل مقاربة غربية لمواجهة تمدد مشروع "الحزام والطريق" الصيني في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، من خلال إنشاء شبكة طاقة وتجارية تربط الخليج العربي بأوروبا عبر الأراضي السورية والتركية.
خارطة طريق للتنفيذ
دعت الدراسة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تبني المبادرة كأولوية استراتيجية خلال عام 2026، مع تخصيص تمويل أولي للمشاريع المرتبطة بها، وإطلاق منتدى وزاري للدول المشاركة، إضافة إلى تأسيس "اتحاد البنية التحتية للبحار الأربع" ككيان متعدد الأطراف يتولى إدارة الاستثمارات وتنسيق تنفيذ المشاريع.
كما أوصت ببدء تنفيذ خطوط الأنابيب الرئيسية خلال الفترة بين عامي 2027 و2028، وتأمين استثمارات أولية تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار بمشاركة صناديق الثروة السيادية الخليجية وشركات الطاقة العالمية، تمهيداً لتشغيل الممرات الأربعة بكامل طاقتها بين عامي 2029 و2035.
إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية
خلصت الدراسة إلى أن مستقبل سوريا قد يرتبط خلال السنوات المقبلة بدورها الجديد كمركز إقليمي للطاقة والتجارة، معتبرة أن نجاح المشروع سيؤدي إلى إنشاء أول شبكة طاقة متكاملة تمتد من الخليج العربي إلى أوروبا الشرقية، بما يعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والسياسية للمنطقة ويمنح سوريا موقعاً محورياً في منظومة أمن الطاقة العالمية لعقود قادمة.