كيف فكك الرئيس أحمد الشرع عقدة "قسد" وأعاد شمال شرقي سوريا إلى مؤسسات الدولة؟
كيف فكك الرئيس أحمد الشرع عقدة "قسد" وأعاد شمال شرقي سوريا إلى مؤسسات الدولة؟
● آراء ومقالات ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦

كيف فكك الرئيس أحمد الشرع عقدة "قسد" وأعاد شمال شرقي سوريا إلى مؤسسات الدولة؟

نجح الرئيس أحمد الشرع في نقل ملف "قوات سوريا الديمقراطية" من واحد من أعقد ملفات الصراع العسكري والسياسي في سوريا إلى مسار انتهى بحل القوة العسكرية المستقلة ودمج مؤسساتها وعناصرها ضمن الدولة، في تحول لم يكن وليد اتفاق واحد، وإنما حصيلة مسار جمع بين الحوار الداخلي وإعادة بناء العلاقات الخارجية والاستفادة من التحولات الإقليمية والدولية المحيطة بالملف.

واكتسبت معالجة الملف أهمية مضاعفة بالنظر إلى تشابك أطرافه، فلم تكن قضية "قسد" مرتبطة بدمشق وشمال شرقي سوريا وحدهما، وإنما ارتبطت بالولايات المتحدة التي دعمتها لسنوات في مواجهة تنظيم "داعش"، وتركيا التي نظرت إليها بوصفها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، إضافة إلى ملف قنديل والعناصر الأجنبية والموارد والمعابر ومستقبل السوريين الكرد داخل الدولة.

فصل الحقوق الكردية عن مشروع "قسد"

اعتمد الرئيس أحمد الشرع في مقاربة الملف على الفصل بين السوريين الكرد بوصفهم مكوناً أصيلاً من المجتمع السوري، وبين وجود تنظيم عسكري وإداري مستقل خارج مؤسسات الدولة، وهي معادلة ساعدت على تضييق مساحة الخلاف ونقل النقاش من مستقبل كيان قائم بقوة السلاح إلى مستقبل الحقوق الكردية داخل الدولة.

وأسهم تثبيت الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية للسوريين الكرد ضمن المسار الجديد في سحب واحدة من أبرز الذرائع التي استند إليها مشروع "الإدارة الذاتية"، إذ لم تعد المعادلة المطروحة تقوم على الاختيار بين الحقوق الكردية والدولة المركزية، وإنما على ضمان تلك الحقوق داخل مؤسسات الجمهورية مقابل إنهاء الهياكل العسكرية والإدارية الموازية.

واشنطن وتغيير وظيفة "قسد"

شكّل الموقف الأمريكي ركناً أساسياً في المعادلة، إذ تأسست الشراكة بين واشنطن و"قسد" أساساً لمواجهة تنظيم "داعش"، وحصلت الأخيرة خلال سنوات على الدعم والتسليح والتدريب والغطاء السياسي الذي مكّنها من توسيع مناطق سيطرتها.

وعملت دمشق، مع تغير الظروف السياسية في سوريا، على تقديم نفسها شريكاً قادراً على تحمل المسؤوليات الأمنية ومواجهة الإرهاب وإدارة ملف السجون والمخيمات، بما قلص الحاجة الأمريكية إلى استمرار قوة عسكرية مستقلة لتنفيذ هذه المهمة.

وأكد المبعوث الأمريكي توماس باراك هذا التحول عندما اعتبر أن الغاية الأصلية من "قسد" بوصفها القوة البرية الرئيسية لمكافحة "داعش" فقدت مبرراتها إلى حد كبير، في ظل وجود حكومة سورية قادرة على تولي مسؤولياتها الأمنية.

تفكيك العقدة التركية

استفادت السياسة السورية كذلك من التقاطع مع المخاوف التركية المتعلقة بحزب العمال الكردستاني، دون تحويل القضية الكردية السورية إلى ملف أمني حصراً، إذ بقيت إحدى أبرز مطالب أنقرة مرتبطة بإنهاء البنية العسكرية المتصلة بالحزب وإبعاد العناصر غير السورية القادمة من قنديل.

وأتاح مسار الحوار السوري مع قيادة "قسد"، بالتزامن مع التحولات التي شهدها ملف حزب العمال الكردستاني وسياسة "تركيا بلا إرهاب"، معالجة واحدة من أصعب العقد الإقليمية، وصولاً إلى إعلان مظلوم عبدي خروج العناصر الأجنبية التي كانت موجودة ضمن القوات.

وبذلك تقلص العامل الخارجي في بنية "قسد"، بينما انتقلت القضية الكردية السورية بصورة أكبر إلى إطار داخلي يتعلق بالحقوق والمشاركة السياسية والدستورية.

الميدان في خدمة التفاوض

لم تتحرك الدبلوماسية بمعزل عن التغيرات الميدانية، إذ جاء التفاوض بالتوازي مع تراجع قدرة "قسد" على الاحتفاظ بمساحات نفوذها السابقة، وتقدم القوات السورية، واستعادة مناطق وموارد مهمة، إضافة إلى الانشقاقات الواسعة في صفوف المقاتلين العرب في الرقة ودير الزور.

وأدت هذه المتغيرات إلى إعادة تشكيل ميزان التفاوض، لكن دمشق أبقت باب التسوية مفتوحاً، ما أتاح الانتقال من الضغط الميداني إلى اتفاق سياسي بدلاً من الانزلاق إلى مواجهة طويلة في شمال شرقي البلاد بما تحمله من مخاطر داخلية وإقليمية.

من الخصومة إلى الاستيعاب

اختارت الدولة في الوقت نفسه سياسة الاستيعاب بدلاً من التعامل مع جميع العاملين ضمن المؤسسات السابقة باعتبارهم خصوماً، وظهر ذلك من خلال فتح الطريق أمام دمج العسكريين والأمنيين والمدنيين في المؤسسات الرسمية، وإشراك شخصيات من الهياكل السابقة في الحياة السياسية ومؤسسات الجمهورية.

ومثّل هذا المسار رسالة للمكون الكردي وللعاملين ضمن "قسد" بأن إنهاء التنظيم لا يعني إقصاء أفراده أو إلغاء حضورهم، وإنما نقلهم من بنية مستقلة إلى إطار الدولة.

حل "قسد" بدلاً من حرب جديدة

ظهرت نتيجة هذا المسار عندما أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة "قوات سوريا الديمقراطية" وحلها كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري، داعياً إلى الانتقال "من ساحات المعارك إلى ساحات البناء ومن زمن السلاح إلى زمن السلام".

ويكتسب مكان الإعلان دلالة سياسية بحد ذاته، إذ انتهت تجربة بدأت عام 2015 كقوة مدعومة أمريكياً خارج المؤسسة العسكرية السورية بإعلان حلها من قلب دمشق، والانتقال بعناصرها إلى العمل تحت سلطة الدولة.

دبلوماسية المصالح المتقاطعة

يمكن قراءة نجاح الرئيس أحمد الشرع في تحييد ملف "قسد" باعتباره قائماً على جمع مصالح متعارضة ضمن نقطة مشتركة، فالولايات المتحدة تريد استمرار مكافحة "داعش" ومنع الفراغ الأمني، وتركيا تريد إنهاء البنية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ودمشق تريد استعادة سيادتها ووحدة مؤسساتها ومواردها، فيما يحتاج السوريون الكرد إلى ضمان حقوقهم ومشاركتهم في مستقبل البلاد.

وحوّلت السياسة السورية هذه المصالح من أسباب محتملة لاستمرار الصراع إلى عناصر ساعدت على إنتاج التسوية، بحيث تتولى الدولة الملف الأمني، وتنتهي التشكيلات المستقلة والارتباطات العابرة للحدود، مقابل نقل الحقوق والمطالب الكردية إلى المجال السياسي والدستوري.

وبذلك، لم يكن الإنجاز الأساسي في إنهاء وجود تنظيم عسكري مستقل فحسب، وإنما في تحييد ملف كان قادراً على إشعال حرب جديدة، وتحويله إلى عملية اندماج داخل مؤسسات الدولة، لتنتهي مرحلة "قسد" و"الإدارة الذاتية" من دون أن تتحول نهاية المشروع إلى مواجهة مع السوريين الكرد، وهو ما يمثل أحد أبرز اختبارات الدبلوماسية السورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد البائد.

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ