خارج الاتفاق وداخل معادلته.. ماذا تعني منظومة الدفاع السعودية التركية الباكستانية لدمشق؟
خارج الاتفاق وداخل معادلته.. ماذا تعني منظومة الدفاع السعودية التركية الباكستانية لدمشق؟
● آراء ومقالات ٧ أغسطس ٢٠٢٦

خارج الاتفاق وداخل معادلته.. ماذا تعني منظومة الدفاع السعودية التركية الباكستانية لدمشق؟

تتجه السعودية وتركيا وباكستان إلى بناء إطار دفاعي مشترك يضيف بعداً عسكرياً وأمنياً إلى العلاقات المتنامية بين الدول الثلاث، مستنداً إلى شراكات دفاعية قائمة أصلاً بين الرياض وإسلام آباد، وإلى تقارب واسع بين أنقرة وكل من السعودية وباكستان.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في منطقة تشهد تحولات أمنية متسارعة، مع تصاعد التوترات الإقليمية، وتنامي الحاجة إلى ترتيبات ردع أكثر تماسكاً بين الدول التي تتقاطع مصالحها العسكرية والسياسية.

سوريا ليست طرفاً في هذا الاتفاق، ولا توجد أي معطيات رسمية تشير إلى شمولها ببند للدفاع المشترك. أهمية الاتفاق بالنسبة لدمشق تظهر في مكان آخر، وتحديداً في طبيعة العلاقة التي تبنيها سوريا مع السعودية وتركيا، وفي موقعها الجغرافي والأمني داخل المنطقة التي تتحرك فيها الدول الثلاث.

تركيا وسوريا.. شراكة أمنية تتوسع

تبدو تركيا الطرف الأكثر ارتباطاً بما يحدث داخل سوريا. الحدود المشتركة بين البلدين تجعل الملف السوري جزءاً مباشراً من الحسابات الأمنية التركية، سواء فيما يتعلق بالتنظيمات المسلحة، وضبط الحدود، وحركة التجارة، وملف اللاجئين، أو التوازنات العسكرية في شمال سوريا وشرقها.

ومع سقوط النظام البائد وتشكيل الحكومة السورية الجديدة، بدأت العلاقة بين دمشق وأنقرة تتحرك باتجاه تعاون أمني وعسكري أوسع. تركيا أبدت استعدادها للمساهمة في تدريب الجيش السوري وتطوير قدراته، وبدأت بالفعل خطوات لدعم المؤسسة العسكرية السورية، في وقت تؤكد فيه دمشق أن هدفها هو توحيد السلاح ضمن مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي السورية.

هذا المسار يجعل سوريا ذات أهمية عسكرية مباشرة بالنسبة إلى أنقرة. فاستقرار الجيش السوري وقدرته على ضبط الحدود ومواجهة التنظيمات والتشكيلات المسلحة ينعكس على الأمن التركي نفسه، ويقلل من احتمالات بقاء مناطق خارجة عن سلطة الدولة يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد مستمر لتركيا.

كما أن التعاون العسكري بين البلدين يمنح دمشق منفذاً إلى خبرة عسكرية تركية كبيرة، سواء في التدريب أو إعادة هيكلة القوات أو تطوير القدرات الدفاعية، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في مرحلة تعيد فيها سوريا بناء جيشها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

ومن هذه الزاوية، فإن دخول تركيا في إطار دفاعي أوسع مع السعودية وباكستان يزيد من الوزن الإقليمي لأحد أهم الشركاء العسكريين لدمشق، ويمنح أنقرة مساحة أكبر للحركة والتنسيق مع قوتين تملكان ثقلاً سياسياً وعسكرياً مهماً.

السعودية واستقرار الدولة السورية

العلاقة السعودية السورية تتحرك في مسار مختلف، لكنه يلتقي مع المقاربة التركية عند مسألة استقرار الدولة السورية.

الرياض دعمت الحكومة السورية والرئيس السوري أحمد الشرع سياسياً، وأكدت بصورة متكررة دعم وحدة سوريا وسيادتها وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. كما أبدت تأييداً لدمج التشكيلات المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية، ووسعت تعاونها السياسي والاقتصادي والأمني مع دمشق.

وترافق ذلك مع تحرك سعودي في ملفات اقتصادية وتنموية، ما يجعل استقرار سوريا مرتبطاً بصورة متزايدة بمصالح سعودية تتجاوز الموقف السياسي التقليدي.

هذا الحضور مهم عند قراءة الاتفاق الدفاعي الجديد. فالسعودية التي ترى في استقرار سوريا جزءاً من استقرار المنطقة، وتعمل على بناء علاقة طويلة المدى مع الحكومة السورية، تصبح أكثر ارتباطاً بما يجري داخل البلاد وبقدرة دمشق على تثبيت مؤسسات الدولة.

ويزداد هذا الارتباط مع المشاريع المطروحة للربط الاقتصادي والنقل بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية. فقد تحدث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن مشاريع للربط السككي تمتد من تركيا مروراً بسوريا والأردن وصولاً إلى السعودية، إلى جانب إعادة تفعيل مشروع “البحار الأربعة” الذي يقوم على تحويل سوريا إلى نقطة وصل بين طرق التجارة الإقليمية.

نجاح مثل هذه المشاريع يحتاج قبل أي شيء إلى دولة مستقرة وقادرة على حماية أراضيها وحدودها وطرق النقل التي تمر بها. ولهذا يصبح استقرار سوريا مهماً لأنقرة والرياض من زاوية الأمن والاقتصاد معاً.

ماذا تستفيد دمشق من المنظومة الجديدة؟

الفائدة السورية من الاتفاق لا ترتبط بالحصول على مظلة دفاع مباشرة، وإنما بالبيئة الإقليمية التي يمكن أن يخلقها.

سوريا تبني علاقة عسكرية متقدمة مع تركيا، وعلاقة سياسية واقتصادية متنامية مع السعودية. وإذا أصبحت أنقرة والرياض جزءاً من إطار دفاعي أكثر تماسكاً، فإن ذلك قد يزيد من مستوى التنسيق بين دولتين تعتبران استقرار سوريا مصلحة لهما.

ويتضح هذا بصورة أكبر في الملف الإسرائيلي. السعودية وتركيا تتبنيان موقفاً واضحاً في رفض الاعتداءات الإسرائيلية داخل سوريا، وتؤكدان دعم وحدة أراضيها وسيادتها واستقرارها، في وقت ترى فيه دمشق أن الهجمات الإسرائيلية تعرقل عملية إعادة بناء الدولة وتزيد من التوتر الداخلي والإقليمي، وبالتأكيد سيحمل هذا الاتفاق تخوفات اسرائيلية كبيرة خاصة فيما يتعلق بقدرتها على زعزة استقرار سوريا بشكل مباشرة.

هنا تظهر إحدى أهم دلالات الاتفاق بالنسبة لسوريا. فإذا تعرضت البلاد مستقبلاً لتصعيد واسع يهدد استقرار الدولة، فإن أنقرة والرياض لن تتعامل بالضرورة مع التطورات باعتبارها حدثاً بعيداً عن مصالحهما.

بالنسبة إلى تركيا، أي انهيار أمني كبير في سوريا سينعكس مباشرة على حدودها وعلى ملفات الإرهاب والتنظيمات المسلحة واللاجئين والتجارة. وبالنسبة إلى السعودية، فإن زعزعة سوريا تعني تهديداً لاستثمارات سياسية واقتصادية متنامية، وتعطيلاً لمشاريع إقليمية تسعى الرياض إلى دعمها.

ولا يعني ذلك توقع رد عسكري مشترك. فأدوات الدول في مثل هذه الحالات واسعة، ويمكن أن تشمل التنسيق السياسي والضغط الدبلوماسي، وتبادل المعلومات الأمنية، وزيادة الدعم العسكري والتدريب للجيش السوري، وتعزيز قدرات الدولة على حماية أراضيها.

أما باكستان، فيبقى تأثيرها على سوريا أقل مباشرة. فإسلام آباد لا تملك حدوداً مشتركة مع سوريا ولا ترتبط بالملف السوري بالطريقة نفسها التي ترتبط بها تركيا أو السعودية. أهميتها تأتي من ثقلها العسكري وعلاقاتها الدفاعية الوثيقة مع الرياض وأنقرة، وهو ما يزيد من قوة الإطار الذي تتحرك فيه الدولتان.

بالنسبة لدمشق، تكمن أهمية المنظومة الجديدة في أنها تتشكل في وقت تتقارب فيه سوريا مع أهم طرفين فيها. تركيا تتحول إلى شريك عسكري وأمني رئيسي، والسعودية توسع حضورها السياسي والاقتصادي وتدعم استقرار الدولة السورية.

ومع استمرار هذا المسار، قد يصبح استقرار سوريا جزءاً أساسيًا من الحسابات الأمنية للدول المشاركة في الاتفاق، خصوصاً إذا تعمق التعاون العسكري السوري التركي، وتوسعت الاستثمارات السعودية، وبدأ تنفيذ مشاريع الربط البري والسككي التي تجعل الأراضي السورية ممراً بين تركيا والأردن والسعودية.

سوريا تبقى خارج الاتفاق وفق كل ما هو معلن حتى الآن. ومع ذلك، فإن موقعها الجغرافي والسياسي والعسكري، وعلاقاتها الجديدة مع أنقرة والرياض، تجعلها واحدة من الدول التي يمكن أن تتأثر مباشرة بالبيئة الأمنية التي سينتجها. وبالنسبة لدمشق، تبدو القيمة الأساسية في وجود دولتين تدعمان استقرارها وتملكان معها مصالح متنامية داخل إطار دفاعي إقليمي يرفع مستوى التنسيق بينهما.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ