التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
● آراء ومقالات ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦

التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟

تواجه سوريا اليوم معادلة شديدة الحساسية، فهي من جهة تتعرض لغارات وتوغلات إسرائيلية متكررة تمس سيادتها وأمنها، ومن جهة أخرى تمر بمرحلة إعادة بناء دولة أنهكتها سنوات الحرب والانهيار المؤسسي والاقتصادي، وفي خضم هذه المعادلة جاءت المباحثات بشأن اتفاق أمني محتمل مع إسرائيل لتفتح باباً واسعاً للنقاش والمزايدات السياسية حول معنى التفاوض وحدوده.

وذهبت أصوات محسوبة على إيران وما يعرف بـ«محور الممانعة» إلى تقديم أي تفاهم أمني بوصفه مقدمة للتطبيع أو تراجعاً عن الموقف السوري تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية، لكن هذا الطرح يتجاهل السؤال الأكثر ارتباطاً بالمصلحة الوطنية السورية، هل تحتاج سوريا اليوم إلى حرب جديدة، أم إلى ترتيبات توقف الاعتداءات وتمنحها الوقت لإعادة بناء جيشها واقتصادها ومؤسساتها؟

التفاوض لا يعني التنازل

أكدت دمشق في خطابها المعلن أن أي تفاهم أمني يجب ألا ينتقص من سيادة الدولة أو يفرض قيوداً على إعادة بناء الجيش والمؤسسات أو على حق سوريا في اختيار شراكاتها وتحالفاتها، وهو ما يرسم فارقاً واضحاً بين تفاهم يهدف إلى وقف التصعيد وبين اتفاق يفرض على الدولة السورية واقعاً أمنياً دائماً.

ويختلف الاتفاق الأمني أيضاً عن التطبيع السياسي، فالدول قد تفاوض خصومها لضبط الحدود أو منع الاشتباك من دون أن تقيم علاقات طبيعية معهم أو تتنازل عن ملفاتها السيادية، وقد عاش الطرفان السوري والإسرائيلي لعقود في ظل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 من دون أن يعني ذلك انتهاء الصراع السياسي أو سقوط قضية الجولان السوري المحتل.

دولة خرجت من حرب طويلة

ورثت السلطة الجديدة في سوريا بلداً مثقلاً بالدمار، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء، واقتصاداً يحتاج إلى التعافي، وجيشاً يتطلب إعادة تنظيم وتأهيل، بالتوازي مع تحديات إعادة اللاجئين وتأهيل المدن والقرى واستعادة الخدمات الأساسية.

واستغلت إسرائيل المرحلة التي أعقبت سقوط النظام البائد لتنفيذ ضربات واسعة ضد مواقع وقدرات عسكرية سورية، إضافة إلى التقدم داخل مناطق سورية، الأمر الذي فرض على الدولة الجديدة واقعاً أمنياً معقداً لا يمكن التعامل معه بالشعارات وحدها.

ويفرض هذا الواقع على دمشق تحديد أولوياتها وفق قدراتها ومصالحها، فالحرب لا تقاس بمقدار الرغبة في خوضها، وإنما بموازين القوى وقدرة الدولة والمجتمع على تحمل نتائجها، وسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الاستنزاف تحتاج قبل أي شيء إلى تثبيت مؤسساتها واستعادة قوتها.

أبو الظهور يكشف الحاجة إلى قواعد واضحة

أظهر استهداف إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية هشاشة الوضع الأمني القائم، إذ قالت دمشق إنها أبلغت الجانب الإسرائيلي بأن القاعدة سورية ولا تضم قوات أجنبية، إلا أن ذلك لم يمنع تنفيذ الضربة.

ويعني استمرار مثل هذه الحوادث أن الاتصالات غير الملزمة لا تكفي وحدها، وأن دمشق تحتاج، إذا استمر مسار التفاوض، إلى ترتيبات واضحة توقف الغارات والتوغلات وعمليات الاعتقال وتمنع التدخل في عملية بناء الجيش السوري.

ويصبح معيار نجاح أي اتفاق هنا بسيطاً وواضحاً، هل يؤدي إلى وقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تقدمت إليها بعد سقوط النظام، ويحافظ في الوقت نفسه على السيادة السورية وحق الدولة في بناء قدراتها؟ إذا تحقق ذلك، فإن التفاوض يصبح أداة لحماية المصالح السورية وليس تنازلاً عنها.

لا تسمحوا للآخرين باختيار الحرب

تضع الاعتداءات الإسرائيلية القيادة السورية أمام ضغط مزدوج، فبعض الأطراف تستخدم عدم الرد العسكري للمزايدة، بينما قد يؤدي الرد المباشر في الظروف الراهنة إلى مواجهة واسعة تكون سوريا الطرف الأكثر تضرراً منها.

وتكمن وظيفة القرار السياسي في عدم السماح للخصم باختيار توقيت الحرب وشكلها، فالدولة التي تريد استعادة قوتها تحتاج إلى تحديد معاركها وأولوياتها بنفسها، لا إلى التحرك تحت ضغط الخطاب الإعلامي أو الرغبة في إثبات موقف سياسي.

ولا يعني ضبط النفس القبول بالاعتداء، مثلما لا يعني استخدام الدبلوماسية التخلي عن الحقوق، إذ يمكن للدولة أن تتمسك بالجولان وسيادتها وفي الوقت ذاته تسعى إلى منع حرب جديدة عندما تكون كلفتها أعلى من المكاسب الممكنة منها.

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ