
سحب مشروع قانون تشديد عقوبات “قيصر” من الكونغرس الأميركي
أُعلن رسميًا عن سحب مشروع القانون H.R. 4427 من جدول الأعمال التشريعي، وذلك بعد أسابيع من الجدل والضغوط الشعبية والنقاشات الحادة داخل لجان المجلس، في خطوة تعكس تحولًا ملحوظًا في المزاج السياسي داخل الكونغرس الأميركي.
المشروع الذي قُدِّم في يوليو الماضي تحت شعار تحسين عقوبات قيصر، كان في جوهره يهدف إلى تمديد العقوبات المفروضة على سوريا حتى عام 2029، دون أن يقدّم أي استثناءات إنسانية أو آليات تخفف من وقع هذه العقوبات على المدنيين.
سحب المشروع جاء نتيجة واضحة لتصاعد الحراك الشعبي والميداني الذي قاده نشطاء ومنظمات، بالتوازي مع تراجع دعم بعض أعضاء الكونغرس الذين أبدوا تحفظهم على الصيغة المطروحة، خاصة في ظل غياب أي ضمانات إنسانية في نص المشروع.
ما معنى سحب مشروع قانون؟
يشير سحب مشروع قانون في السياق التشريعي الأميركي إلى تجميده وخروجه من الجدول التشريعي الرسمي، بحيث لا يتم مناقشته أو التصويت عليه ضمن الجلسات المقبلة، وهذا لا يعني بالضرورة إلغاءه نهائيًا، لكنه يخرجه من دائرة العمل التشريعي النشط، ويعني فعليًا أن المشروع فقد الزخم السياسي المطلوب لمواصلة التقدّم في مساره داخل الكونغرس.
ولكي يُعاد طرح المشروع مجددًا، يحتاج النواب المؤيدون له إلى إعادة تقديمه من البداية، إما بصيغته نفسها أو معدّلة، والدخول من جديد في مسار اللجان والنقاشات الرسمية، وهو ما يجعل السحب بمثابة انتكاسة قانونية وسياسية للمشروع في هذه المرحلة.
هل يمكن أن يعود المشروع مجددًا؟
من الناحية الشكلية، لا شيء يمنع إعادة تقديم المشروع في أي لحظة ضمن الدورة التشريعية الحالية، فالنظام الأميركي يسمح بذلك. لكن من الناحية السياسية، فإن إعادة إحياء مشروع تم سحبه بعد موجة رفض واضحة، ستكون مغامرة محفوفة بالعقبات، خاصة إذا لم يتغير شيء في توازن القوى داخل المجلس أو في المزاج العام المتعلق بسياسات العقوبات.
الكونغرس الأميركي يعمل وفق جدول أعمال متجدد يُحدث بشكل يومي أو أسبوعي بحسب الجلسات التشريعية، ما يعني أن إدراج مشاريع جديدة أو معدّلة ممكن في أي وقت، لكن القبول السياسي هو العامل الحاسم، وليس فقط الإجراء التقني.
تحوّل في المزاج السياسي الأميركي
سحب مشروع H.R. 4427 لا يمكن فصله عن التحوّلات الأعمق في الخطاب السياسي داخل واشنطن تجاه سوريا. فخلال الأشهر الماضية، برزت مؤشرات متتالية على أن سياسة العقوبات الشاملة بدأت تفقد زخمها داخل الكونغرس، خاصة بعد إعلان وزارة التجارة الأميركية عن تخفيف قيود التصدير إلى سوريا، في خطوة وصفت بأنها الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد. وقد جاءت هذه التسهيلات بموجب الأمر التنفيذي 14312، وسمحت بتصدير مواد مدنية أميركية دون الحاجة إلى ترخيص مسبق، بما في ذلك معدات الاتصالات وبعض مكونات الطيران والبنية التحتية، في رسالة واضحة على رغبة الإدارة الأميركية بإعادة ضبط مقاربتها تجاه الملف السوري
التحوّل لم يكن محصورًا بالمؤسسات التنفيذية، بل انسحب على الكونغرس نفسه، حيث شهدت العاصمة الأميركية زيارة نادرة لوفد مشترك من الحزبين ضم السيناتورة جين شاهين والنائب جو ويلسون إلى دمشق، حيث أبديا رفضهما للهجمات الإسرائيلية وأكدا دعم المسار المدني وإعادة الإعمار. كما جاء الموقف اللافت للسيناتورة إليزابيث وارن، أكبر الديمقراطيين في لجنة الشؤون المصرفية، التي أيدت علنًا قرار وزارة التجارة، رغم كونها من أبرز منتقدي الرئيس ترامب، ما أضفى على المشهد بعدًا استثنائيًا من التوافق العابر للحزبين
ولا يمكن تجاهل أن هذا التحول يأتي في ظل تشكيل الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وما رافق ذلك من مؤشرات على انفتاح سياسي وإداري لافت، ما أضفى مصداقية إضافية على دعوات التخفيف من حدة العقوبات، وتوفير بيئة أكثر مرونة للتعامل الاقتصادي والدبلوماسي. كل ذلك شكّل سياقًا سياسيًا جديدًا ساهم مباشرة في تراجع الدعم لمشاريع تشددية كـ H.R. 4427، وفتح الباب أمام مقاربات بديلة تركز على التعافي والاحتواء بدل العزل والعقاب
مشروع بديل في الطريق المعاكس
ورغم تجميد هذا المشروع، لا تزال الساحة التشريعية تشهد حضورًا لمشاريع أخرى ترتبط بالعقوبات، أبرزها مشروع القانون H.R. 3941 الذي قدّمه النائب جو ويلسون، ويدعو صراحة إلى الإلغاء الكامل لعقوبات قيصر. هذا المشروع لا يزال نشطًا ويحتاج إلى دعم واسع سياسيًا وإعلاميًا وشعبيًا، ويشكّل المسار المعاكس تمامًا لما كان يسعى إليه مشروع 4427.
النقاش اليوم لم يعد فقط حول التمديد أو الإلغاء، بل حول الأسس الأخلاقية والقانونية لاستمرار عقوبات شاملة في ظل تدهور الواقع الاقتصادي والإنساني داخل سوريا، وفشل تلك العقوبات في إحداث أي تغيير سياسي ملموس
سحب مشروع H.R. 4427 لا يعني أن المعركة حول العقوبات قد انتهت، لكنه يمنح مساحة مهمة لإعادة التفكير في سياسة الضغط الاقتصادي كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية، كما يثبت أن الضغوط المنظمة والمستمرة قادرة على التأثير، حتى داخل مؤسسة قوية مثل الكونغرس الأميركي