
بين الألم والأمل: رحلة الأمهات وراء أبنائهن المختفين
تُعدّ قضية المعتقلين الذين اختفوا قسراً في معتقلات نظام الأسد منذ سنوات، ولم يُكشف مصيرهم حتى بعد التحرير، من أبرز القضايا المؤلمة التي ما زالت تؤرق المجتمع السوري. فقد أثّرت هذه القضية على آلاف العائلات، خاصة الأمهات، اللواتي أصبح شاغلهن الوحيد هو البحث عن أي معلومة تتعلق بمصير أبنائهن المفقودين.
تنوّعت الطرق التي تم من خلالها اعتقال أبناء سوريا، فمنهم من خُطف من منزله، ومنهم من أُخذ من مكان عمله أو على أحد الحواجز أثناء السفر، أو حتى من داخل الجامعات. ورغم كل ذلك، تمسّكت الأمهات بالأمل طوال سنوات الثورة، وظلّت أعينهن تترقب لحظة النصر وفتح أبواب السجون على أمل لقاء الأبناء. إلا أن آلاف المعتقلين لم يعودوا، ولا تزال المعلومات حول مصيره مجهولة تماماً حتى اليوم.
وبحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر في 30 ٱب/ أغسطس عام 2025، بالتزامن مع اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري، فإن 181,312 شخصاً على الأقل ما يزال رهن الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/أغسطس 2025، بينهم 5,332 طفلاً و9,201 سيدة.
وحمّلت الشبكة نظام الأسد السابق المسؤولية عن 90% من الحالات المسجلة، ما يعادل 9 من كل 10 مختفين، بينما تتحمل بقية الأطراف المتصارعة مسؤولية النسبة المتبقية، أما حصيلة المختفين قسرياً حصراً، فقد بلغت 177,057 شخصاً، من ضمنهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، غالبيتهم في مراكز احتجاز النظام السابق.
تناقلت وسائل الإعلام عشرات القصص المؤثرة لأمهات ما زلن يبحثن عن أبنائهن المختفين قسراً، بعضهن فقدن أكثر من ابن في ظروف مختلفة، وأخريات شهدن لحظة الاعتقال بأعينهن، حيث خُطف الأبناء من أمامهن دون أن يتمكّن من فعل شيء لحمايتهم. مشاهد الألم تلك ظلت محفورة في ذاكرتهم، ورافقتهم في كل لحظة بحث وأمل وانتظار.
ومن بين الأمهات، آمنة التي فقدت أطفالها الأربعة مع زوجها على حاجز "علي الوحش"، في اليوم الخامس من شهر كانون الثاني عام 2014، حينها كانوا لا يزالون صغاراً جداً: محمد عمره تسع سنوات، فاطمة سبع سنوات، مريم سنتين، وميمونة الشام عشرة أشهر.
توقفت حياة آمنة عند لحظة الفقد، وصارت جميع تفاصيل حياتها مرهونة بالبحث عنهم. وقالت في شهادتها لإحدى الصحف: "منذ تلك اللحظة وأنا أبحث عن أولادي، لم أدع مكاناً إلا وبحثت فيه: في دور الأيتام، وزارة الشؤون الاجتماعية، الهلال الأحمر، الصليب الأحمر، السفارات، محكمة الإرهاب، القابون، القضاء العسكري، ولم أعثر عليهم."
وفي لقاء مع تلفزيون سوريا، أكدت إحدى الأمهات أنها لا تزال متمسكة بالأمل رغم مرور سنوات طويلة على اعتقال ابنها، مشيرة إلى أن قلبها يؤمن بأنه سيعود إليها حيّاً مهما طال الغياب. هذا الأمل، كما تقول، هو ما يمنحها القوة للاستمرار في الحياة ومتابعة البحث دون كلل.
تتمنى الأمهات أن يعرفن ما الذي جرى لأبنائهن، وإن كانوا قد فارقوا الحياة، فأين دُفنوا. لقد أصبح أقصى ما يحلمن به هو معرفة مكان الدفن، ليكون لهم قبرٌ واضح يزرنه، فيضعن حدا للشك والانتظار، ويجدن في ذلك بعض السلوى في مواجهة الفقد.
نظم الأهالي في سوريا عدة وقفات احتجاجية في مناطق متفرقة من البلاد، وجّهوا خلالها نداءات إلى الحكومة السورية للمطالبة بكشف مصير أبنائهم المفقودين. ورفع المحتجون صور أبنائهم في الساحات العامة، في محاولة لنقل مشاعر الحزن والأسى التي يعيشونها جراء اختفائهم القسري، وإيصال صوتهم إلى العالم.
تحاول الحكومة السورية وضع حل لملف المختفيين في سوريا، وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر في 17 أيار/مايو 2025 مرسومين رئاسيين يقضيان بتشكيل "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" و"الهيئة الوطنية للمفقودين"، بهدف التصدي لإرث الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال حكم النظام السابق، والكشف عن مصير أكثر من 100 ألف مفقود.
وتبقى أمهات المعتقلين في سوريا في انتظار معرفة مصير أبنائهن، بعد أن استنزفت السنوات الماضية أرواحهن، ويطالبن الحكومة السورية بمحاسبة كل من تسبب في وصول أولادهن إلى هذه المأساة، والحصول على القصاص، مؤكدات أن هذا المطلب لا يمكن التخلي عنه.