
استطلاع لـ "المركز العربي" يكشف اتجاهات السوريين بعد سقوط النظام: تفاؤل سياسي وتشاؤم اقتصادي
أعلن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، النتائج الأولية لاستطلاع المؤشر العربي لعام 2025 الخاص بسوريا، الذي شمل عيّنة موسعة بلغت 3690 شخصاً من مختلف المحافظات والشرائح الاجتماعية، ونُفذ ميدانياً بين 25 تموز و17 آب 2025.
ويُعد هذا الاستطلاع الأكبر من نوعه في تاريخ سوريا من حيث حجم العينة وتغطية جميع المناطق، إذ اعتمد أكثر من 420 سؤالاً تناولت قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية، إضافة إلى موضوعات الهوية والاندماج المجتمعي.
أظهرت النتائج أن المزاج العام السوري يميل إلى التفاؤل، حيث رأى 56% من المستجيبين أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح مقابل 25% اعتبروا أنها تسير في الاتجاه الخاطئ، مستندين إلى سقوط النظام البائد وتحرير البلاد وتحسن الأوضاع الأمنية وإطلاق سراح المعتقلين.
كما عبّر ما بين 80% و94% عن مشاعر الفرح والارتياح بعد سقوط بشار الأسد، رغم وجود نسبة أقل (20%) ما زالت تعيش القلق وعدم اليقين. وعلى صعيد التقييمات التفصيلية، قال 57% إن الوضع السياسي جيد، و56% وصفوا الوضع الأمني بالمستقر، في حين جاءت التقييمات الاقتصادية سلبية لدى أغلبية السوريين.
الاستطلاع كشف أيضاً أن 51% من السوريين يرون أن أبرز التحديات تكمن في خطر تقسيم البلاد، والتدخلات الخارجية، وتوغل إسرائيل في الجنوب السوري. كما أبدى 27% رغبتهم في الهجرة، معظمهم بدوافع اقتصادية (40%) أو أمنية (35%). وتبين أن 42% من الأسر تعيش في حالة عوز، مقابل 43% في حالة كفاف، وأن 61% نادراً ما يتناولون اللحوم، فيما يعتمد 36% من العائلات على تحويلات مالية من الخارج لتأمين احتياجاتها.
في تقييم أداء الحكومة، قال 54% إلى 57% إن لديهم ثقة بمؤسسات الدولة، واعتبر نصف المستجيبين تقريباً أن الحكومة تطبق القانون بالتساوي. وأشار 61% إلى أن السياسة الخارجية تعكس تطلعاتهم، فيما رأى 59% أن السياسات الاقتصادية تلبي توقعاتهم.
ورغم ذلك، اعتبرت نسبة كبيرة أن الحكومة لم تنجح بما يكفي في مواجهة البطالة وضبط الأسعار وإخراج إسرائيل من الأراضي المحتلة. وفيما يتعلق بالحريات، أقر أكثر من نصف المستجيبين بوجود تقدم في مجالات حرية التعبير وحق التجمع، لكنهم أبدوا تشككاً في ضمان التعددية السياسية والمساءلة.
النتائج أبرزت انتشار الفساد باعتراف 89% من السوريين، وإن كان 56% منهم يرون أن معدلاته تراجعت مقارنة بفترة ما قبل سقوط النظام السابق. كما أيد 65% أن العدالة الانتقالية يجب أن تشمل كل من تورط في جرائم حرب، سواء من النظام السابق أو من المعارضة المسلحة، في حين فضّل 25% حصرها بمسؤولي النظام.
أما الموقف من الديمقراطية فجاء لافتاً، حيث أيد 61% النظام الديمقراطي باعتباره الأفضل لسوريا، فيما أكد 53% أنهم يقبلون بنتائج الانتخابات حتى لو جاءت بحزب لا يتفقون معه. كما أيدت الكتلة الأكبر تأسيس أحزاب سياسية جديدة تشمل تيارات وطنية وإسلامية وليبرالية وقومية.
في قضايا الهوية، قال 64% إن السوريين نجحوا في الانصهار المجتمعي، ورأى 19% أن الثقافة السورية المشتركة هي العامل الأهم في بناء الهوية الوطنية. ورغم اعتراف 85% بانتشار خطاب الطائفية، أكد 66% أنهم لا يفرّقون في تعاملهم مع الآخرين على أساس الطائفة أو الدين.
على الصعيد الإقليمي، اعتبر 78% أن إسرائيل هي التهديد الأكبر لاستقرار الشرق الأوسط، وقال 55% إنها الخطر الأول على سوريا، مقابل 14% لإيران. كما رفض 74% الاعتراف بإسرائيل، وأكد 70% أن أي اتفاق معها لن يكون مقبولاً دون استعادة الجولان المحتل.
الاستطلاع أظهر أيضاً أن السوريين متابعون بشكل واسع للحرب في غزة بنسبة 74%، وأنهم يرون في الدعم الأميركي لإسرائيل وغياب الموقف العربي الموحد سبباً في استمرارها. وفي ما يخص الدين، قال 57% إن من الأفضل فصل الدين عن السياسة، بينما أبدى 59% فهماً للتدين باعتباره قيماً أخلاقية قبل أن يكون التزاماً طقوسياً.
أما في ما يتعلق بالإعلام والاتصال، فأكد 98% من مستخدمي الإنترنت أن لديهم حسابات على مواقع التواصل، و70% يستخدمونها للتعبير عن مواقف سياسية. ورغم إقرار 80% بانتشار الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية عبر هذه المنصات، فإن 76% أشاروا إلى أنهم قادرون على انتقاد الحكومة عبرها من دون خوف.
هذا الاستطلاع، بحسب المركز العربي، يمثل وثيقة تأسيسية لصنّاع القرار في سوريا الجديدة، إذ يضع أمامهم صورة شاملة عن أولويات السوريين وتطلعاتهم، في لحظة انتقالية فارقة تحدد ملامح المستقبل السياسي والاجتماعي للبلاد.