نوروز 2026.. أول احتفال جامع للكرد في عموم سوريا يؤكد وحدة البلاد وتنوعها
شهدت سوريا هذا العام حدثاً غير مسبوق في تاريخها الحديث، مع إحياء عيد النوروز لأول مرة على امتداد الجغرافيا السورية، في مشهد عكس تحولات عميقة في بنية الدولة والمجتمع، ورسّخ حضور التنوع الثقافي بوصفه ركيزة من ركائز الهوية الوطنية الجامعة.
وجاءت الاحتفالات في سياق تطبيق المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي أقرّ بعيد النوروز عطلة رسمية، وأكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تشكّل مكوّناً أساسياً في الهوية الوطنية السورية.
احتفالات تمتد من قاسيون إلى الشمال… حضور وطني واسع
اتسمت احتفالات هذا العام بطابعها الشامل لأول مرة في سوريا، حيث لم تقتصر على مناطق الشمال الشرقي أو المدن ذات الغالبية الكردية، بل امتدت إلى قلب العاصمة دمشق، في مشهد غير مسبوق.
وشهدت مناطق مثل جبل قاسيون، والمزة، وركن الدين في دمشق، إضافة إلى عفرين وعين العرب (كوباني) في ريف حلب، ومناطق شمال شرقي سوريا، فعاليات احتفالية واسعة، عكست أجواء من الفرح والانفتاح، وكرّست حضور النوروز كعيد جامع.
وتضمنت الاحتفالات طقوساً فلكلورية مميزة، أبرزها إشعال النيران على المرتفعات، وأداء الدبكات الكردية، وارتداء الأزياء التقليدية، إلى جانب مائدة العيد التي تضم سبعة أطعمة تبدأ بحرف السين، في رمزية متوارثة تعبّر عن الخصوبة والتجدد.
كما حضرت الفعاليات الفنية والغنائية التي استلهمت التراث الكردي، في مشهد عكس استمرارية الثقافة عبر الأجيال، واندماجها ضمن الفضاء السوري العام.
يحمل نوروز هذا العام دلالة استثنائية، كونه يأتي بعد عقود من التضييق على الاحتفال بهذه المناسبة، حيث كان يُقابل في مراحل سابقة بإجراءات أمنية واعتقالات.
اليوم، يعكس المشهد تحولاً جذرياً، مع انتقال النوروز من مناسبة مقيدة إلى عيد رسمي معترف به، في خطوة تؤكد تغير مقاربة الدولة تجاه التنوع الثقافي، وتفتح المجال أمام إعادة تعريف العلاقة بين المكونات السورية على أسس أكثر شمولاً.
وأكدت شخصيات كردية مشاركة في الاحتفالات أن ما جرى يمثل انتصاراً معنوياً بعد سنوات من الحرمان، مشددين على أن العيد لم يعد حكراً على مكوّن بعينه، بل أصبح مناسبة وطنية لكل السوريين.
النوروز كرمز للوحدة… رسالة تماسك مجتمعي
في دلالاته الأعمق، حمل النوروز هذا العام رسالة واضحة تتجاوز البعد الاحتفالي، ليصبح تعبيراً عن تماسك المجتمع السوري وقدرته على استيعاب تنوعه.
وأشار مشاركون إلى أن مشهد الاحتفال في دمشق، إلى جانب باقي المناطق، يعكس انتقال النوروز من إطار الهوية الخاصة إلى فضاء الهوية الوطنية الجامعة، مؤكدين أن التلاحم بين المكونات يشكل اليوم أحد أبرز عناصر القوة في سوريا الجديدة.
كما ارتبطت رمزية العيد، القائمة على اليوم الجديد وانتصار النور على الظلام، بالتحولات السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، في ظل مرحلة إعادة بناء الدولة وترسيخ مفهوم المواطنة.
ورغم الأجواء الإيجابية، لم تخلُ المناسبة من بعض الحوادث التي أثارت جدلاً، حيث تداول ناشطون مقطعاً يُظهر قيام أنصار ميليشيا حزب العمال الكردستاني بإنزال علم الجمهورية العربية السورية والدوس عليه في مدينة عين العرب.
وأثارت هذه الحادثة موجة استنكار واسعة بين الأهالي، الذين اعتبروا أن مثل هذه التصرفات تمثل إساءة لرمز وطني، ومحاولة لاستثمار المناسبة في سياق سياسي ضيق، يتناقض مع روح العيد ورسائله في المقابل، برزت ردود فعل شعبية تؤكد رفض هذه الممارسات، والتشديد على أن النوروز يجب أن يبقى مناسبة جامعة تعكس وحدة السوريين، لا منصة لإثارة الانقسام.
بين الرمزية والواقع… الكرد ينالون حقوقهم ضمن الدولة
يعكس الاحتفال الواسع بالنوروز هذا العام مؤشراً واضحاً على تحسن موقع الكرد في المشهد السوري، في ظل الاعتراف الرسمي بهويتهم الثقافية، ودمجها ضمن الإطار الوطني، ويرى مراقبون أن تطبيق المرسوم (13) يشكّل خطوة عملية نحو تعزيز مفهوم المواطنة، من خلال ضمان الحقوق الثقافية لمختلف المكونات، بما يساهم في بناء دولة قائمة على التعددية والتكامل.
ويأتي إقرار عيد النوروز مناسبة وطنية في سوريا في إطار التحولات التي شهدتها البلاد بعد التحرير، حيث صدر المرسوم الجمهوري رقم 13 بتاريخ الـ 16 من كانون الثاني 2026، والقاضي باعتبار يوم الـ 21 من آذار عطلة رسمية بهذه المناسبة، في خطوة تعكس الاعتراف بالتنوع الثقافي في المجتمع السوري وتطور النظرة إلى الموروث الثقافي للكرد، بعد سنوات من القيود التي طال الاحتفال بها.
ويصادف السبت اليوم، 21 ٱذار/مارس، عيد النوروز، أحد أهم المناسبات الاجتماعية والثقافية لدى الشعب الكردي، التي تمثل رمزاً للحياة والتعايش والتكافل الاجتماعي، ويُعد جزءاً أصيلاً من التراث الكردي، ومن مظاهر التنوع الثقافي الذي يثري المجتمع السوري ويمنحه مزيداً من الجمال والغنى.
عيد النوروز سببه وتاريخه
ويُعتبر هذا العيد من أقدم المناسبات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إذ تمتد جذوره لآلاف السنين، وقد احتفلت به شعوب عدة كالفُرس والكُرد وبعض شعوب آسيا الوسطى باعتباره بداية عام جديد وفق التقويم الشمسي. ويحمل اسم “نوروز” دلالة “اليوم الجديد”، في إشارة إلى انطلاق دورة جديدة في الطبيعة والحياة.
ترتبط مناسبة “نوروز” بالعديد من الحكايات والأساطير الشعبية، من أبرزها الرواية الكردية التي تروي قصة الحداد “كاوا”، الذي تمرّد على الملك الظالم “الضحّاك”، والذي كان، بحسب الموروث الشعبي، يقتل الأطفال لإطعام الأفاعي التي تنمو على كتفيه.
تذكر الأسطورة أن “كاوا” نجح في القضاء على “الضحّاك”، وأشعل النيران فوق قمم الجبال إعلاناً للنصر وبداية مرحلة جديدة من الحرية، ومنذ ذلك الحين غدا إشعال النار في ليلة “نوروز” رمزاً للغلبة على الظلم واستقبال حياة جديدة.
النوروز في عهد الأسد
لطالما واجه الأكراد أشكالاً من القمع خلال حكم نظام الأسد فيما يخص الاحتفال بمناسبة “نوروز”، إذ كانت الأجهزة الأمنية للنظام السابق تتعامل مع هذه الفعاليات بحساسية بالغة، وغالباً ما تعكر أجواء الاحتفالات وتمنع التجمعات المرتبطة بها.
سبق أن تعرّض عدد من المواطنين الأكراد للملاحقة الأمنية خلال سنوات حكم نظام الأسد، نتيجة مشاركتهم في احتفالات “نوروز” أو رفع الرموز الثقافية الكردية.
مرسوم رئاسي يعترف بحقوق الأكراد ويُقرّ النوروز عطلة رسمية
بعد سقوط النظام البائد، زالت العقبة التي كانت تمنع الأكراد من حقوقهم، وأفسح المجال لهم لممارسة طقوسهم الاجتماعية والثقافية، وفي هذا السياق أصدر الرئيس أحمد الشرع، في منتصف الشهر الأول من العام الجاري، المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، الذي نصّ على اعتبار المواطنين السوريين الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحّدة.
وأكد المرسوم التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم، في إطار السيادة الوطنية ووحدة البلاد، كما أقرّ اعتماد اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة ضمن المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، سواء ضمن المناهج الاختيارية أو في إطار النشاطات الثقافية والتعليمية.
وشمل المرسوم إلغاء جميع القوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتّبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.
ونصّ المرسوم أيضاً على اعتبار عيد النوروز (آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء الجمهورية، بصفته عيداً وطنياً يعبّر عن الربيع والتآخي بين مختلف مكوّنات المجتمع السوري.
ترحيب المجتمع الكردي بالمرسوم
أحدث ذلك المرسوم صدى واسعاً لدى المجتمع الكردي في سوريا، إذ اعتُبر خطوة تاريخية نحو الاعتراف بهويتهم الثقافية واللغوية وحقهم في ممارسة تراثهم بحرية، فاعتبار عيد النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يحمل دلالة رمزية قوية على الاعتراف بالوجود التاريخي للأكراد في النسيج الوطني السوري وتقدير مساهمتهم في التنوع الثقافي للبلاد.
ورحب كثير من الأكراد بهذا القرار باعتباره إنصافاً تاريخياً بعد عقود من التجاهل والتهميش، وأكدوا أن الاعتراف بالمرسوم يعكس إرادة الدولة في تعزيز التعايش والتنوع الثقافي.
كما اعتبر المجتمع الكردي أن هذا الإجراء يعزز الهوية الوطنية الموحدة مع احترام خصوصيات المكوّنات الثقافية المختلفة، ويتيح لهم الاحتفال بعيد النوروز بوصفه مناسبة وطنية وحقاً مكتسباً ضمن إطار الدولة، بعيداً عن أي قيود أو ممارسات تمييزية كانت قائمة سابقاً.
ويحمل الاحتفال بعيد النوروز هذا العام أهمية خاصة، كونه أول احتفال بعد الاعتراف الرسمي من قبل الحكومة السورية بهذا العيد، ما يمنح الأكراد شعوراً بالاعتراف بهويتهم وتراثهم ولغتهم، ويعزز انتماءهم للمجتمع السوري، كما يتيح لهم الاحتفال بشكل علني، ما يخلق شعوراً بالحرية والمساواة بعد سنوات من التهميش بسبب الأسد.