كيف استثمر النظام البائد الورقة المسيحية في حربه ضد الشعب السوري..؟
منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، سعى نظام الأسد البائد إلى إعادة تشكيل المشهدين الداخلي والخارجي عبر توظيف ملفات حساسة، كان أبرزها ملف الأقليات الدينية، ومنها المكوّن المسيحي، ضمن سردية كاذبة تحت عنوان "حماية الأقليات" التي تبنّاها في خطاباته الرسمية والإعلامية.
لم يكن هذا التوظيف عفوياً، بل جاء في سياق استراتيجية متكاملة هدفت إلى كسب التعاطف الدولي، وإعادة تعريف المشهد، من وجهة نظر النظام البائد، بوصفه مواجهة مع تطرّف ديني، وليس ثورة شعبية ذات مطالب محقة.
وروج نظام الأسد البائد، مع بداية الثورة السورية، لرواية مفادها أن البلاد تواجه تهديداً من جماعات متطرفة، وأن الأقليات، بما فيها المسيحيون، ستكون في خطر مباشر في حال سقوطه.
في حين استخدمت هذه السردية على مستويين، داخلياً لخلق حالة خوف وتماسك ضمن بعض المكونات الاجتماعية، وخارجياً للتأثير على الرأي العام الغربي، خصوصاً في أوروبا، حيث تحظى قضية مسيحيي الشرق بحساسية خاصة.
إلا أن هذه الرواية، بحسب تقارير حقوقية متعددة، ترافقت مع ممارسات قمعية طالت أيضاً شخصيات ومواطنين مسيحيين معارضين، ما يعكس تناقضاً بين الخطاب والممارسة.
وخلال سنوات الثورة السورية، برزت عدة تشكيلات مسلحة ذات طابع مسيحي، انخرط معظمها ضمن المنظومة العسكرية والأمنية الموالية للنظام، تحت عنوان "حماية البلدات والقرى". وتركّز وجود هذه التشكيلات في ريفي حماة وحمص، ودمشق وريفها، إضافة إلى بعض مناطق شمال شرق سوريا.
ومن أبرز هذه الميليشيات "حراس الفجر" كتحالف يضم عدة فصائل محلية، و"أسود الشيروبيم" في صيدنايا بريف دمشق، و"أسود الوادي" في وادي النضارة بريف حمص، إلى جانب مجموعات أخرى مثل "أرارات"، و"أسود الحميدية"، و"فوج التدخل"، و"أسود الدويلعة".
ويُضاف إلى ذلك ميليشيا السقيلبية بقيادة نابل العبد الله، التي برزت بدعم روسي، وميليشيا محردة بقيادة سيمون الوكيل، وتشكيل "سوتورو" في شمال شرق سوريا، مع تباين في تبعيته بحسب مناطق السيطرة.

ولا يمكن فصل وجود هذه التشكيلات عن سياق أوسع، إذ اعتمد النظام البائد على تشكيل ميليشيات محلية منذ السنوات الأولى للثورة لتعويض النقص في قوات جيشه الذي زجه في حرب ضد الشعب السوري.
ورغم أن الخطاب المعلن لبعض هذه التشكيلات ركّز على مزاعم الدفاع الذاتي، فإن تقارير حقوقية وإعلامية أشارت إلى مشاركة بعضها في عمليات عسكرية خارج نطاق مناطقها، بما في ذلك معارك في ريفي حماة وإدلب.
كما وثّقت جهات حقوقية، منها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وقوع انتهاكات من قبل هذه الميليشيات، شملت عمليات نهب وتجاوزات بحق مدنيين، وهي اتهامات نسبت بشكل خاص إلى مجموعات مرتبطة بما يُعرف بـ"الدفاع الوطني".
ولم يقتصر توظيف هذا الملف على الداخل، بل امتد إلى الخارج، حيث قُدِّم الصراع في سوريا على أنه معركة لحماية المسيحيين في الشرق وفي هذا السياق، كشف تحقيق صحفي فرنسي مطوّل لموقع Mediapart عن علاقات بين منظمة "أنقذوا مسيحيي الشرق" وبعض المجموعات المسلحة المحلية، بما في ذلك مجموعات في محردة والسقيلبية.
ولفت التحقيق إلى أن دعماً مادياً ولوجستياً وُجِّه إلى هذه التشكيلات على مدى سنوات، رغم إعلان المنظمة أنها جهة إنسانية محايدة، ما أثار تساؤلات حول تداخل العمل الإنساني مع السياق العسكري.
وشكّلت العديد من الأحداث الميدانية مادة إعلامية للنظام البائد، جرى توظيفها على نطاق واسع لتعزيز رواية حماية المسيحيين، وساهمت في تعميق الانقسام الطائفي، ولفت انتباه جهات دولية ومنظمات إلى الملف السوري من زاوية دينية.
ويتضح بذلك أن المجتمع المسيحي في سوريا، كغيره من المكونات، ولا يمكن القول بأنه لم يشارك في الحرب كما أنه لم ينخرط بها كتلة واحدة، بل شهد تنوعاً في المواقف شريحة بقيت على الحياد وشريحة انخرطت ضمن مؤسسات النظام البائد أو التشكيلات الرديفة وشريحة أخرى عارضت النظام ودعمت الثورة وتعرضت لانتهاكات.
وبالتالي، فإن تعميم موقف واحد على كامل المكون لا يعكس الصورة الكاملة، كما أن وجود ميليشيات ذات طابع مسيحي لا يعني بالضرورة تمثيلها لجميع المسيحيين في سوريا.
وفي ربط مباشر بين سياق المرحلة السابقة وتطورات الحاضر، تبرز أهمية هذا الملف فبعد سنوات من توظيف النظام البائد لخطاب حماية الأقليات وما رافقه من تعقيدات على مستوى النسيج الاجتماعي، تبدو المقاربة الحالية مختلفة في شكلها ومضمونها.
و تشير المعطيات إلى أن الدولة السورية الجديدة تبنت نهجاً قائماً على الانفتاح والتشاركية مع مختلف المكونات السورية دون إقصاء، وهو ما انعكس في خطوات عملية ورمزية واضحة.
فقد حرص الرئيس أحمد الشرع، على استقبال وفود من الطائفة المسيحية، وقام بزيارات إلى الكنائس، في رسائل مباشرة تؤكد الاعتراف بالتنوع الديني والاجتماعي في البلاد، بالتوازي مع تعيين وزراء ومسؤولين من المسيحيين ضمن مؤسسات الدولة، بما يعكس توجهاً نحو تمثيل متوازن لا يقوم على منطق المحاصصة بقدر ما يستند إلى مبدأ الشراكة الوطنية.
في المقابل، برزت خلال الفترة الأخيرة مواقف وخطابات صادرة عن بعض الشخصيات المسؤولة من المكوّن المسيحي، اتجهت نحو تقديم رواية تظهر هذا المكوّن وكأنه كان خارج سياق الحرب، مع محاولة واضحة للتملّص من إرث المرحلة السابقة، وتقديم صورة صفحة بيضاء لا ترتبط بما جرى خلال سنوات الحرب.
هذا الطرح، رغم ما يحمله من رغبة في إعادة التموضع، يتقاطع مع وقائع موثقة تشير إلى انخراط شخصيات وتشكيلات ذات طابع مسيحي ضمن البنية العسكرية والأمنية للنظام البائد، سواء تحت عناوين محلية أو ضمن تشكيلات رديفة شاركت في العمليات العسكرية.
وتتجلى هذه المفارقة بشكل أكثر وضوحاً في التعاطي مع بعض القضايا الراهنة، حيث شهدت الساحة ردود فعل حادة وبيانات رفض واستنكار على خلفية قرارات تنظيمية مرتبطة بتقييد بيع الكحول، جرى توصيفها على أنها استهداف مباشر للحريات أو للمكوّن نفسه.
ويفتح هذا التصعيد باب التساؤل حول معايير التفاعل، خاصة عند مقارنته بغياب أو خفوت أصوات مشابهة خلال سنوات الثورة، في ظل أحداث مفصلية شهدتها البلاد، من عمليات قتل واسعة، إلى تدمير مدن وبلدات، وظهور ميليشيات محلية، بعضها حمل طابعاً مسيحياً، إضافة إلى الأضرار التي طالت كنائس ومواقع دينية في سياق العمليات العسكرية.
هذا التباين في الحضور الصوتي بين مرحلتين مختلفتين يطرح إشكالية الذاكرة الانتقائية، ويؤكد أن التعامل مع الماضي لا يمكن أن يتم عبر القفز فوق الوقائع أو إعادة تقديمها بصورة مجتزأة فالمجتمع السوري بكل مكوناته كان جزءاً من سياق معقد، تداخلت فيه عوامل الخوف، والاصطفاف، والضغط الأمني، إلى جانب حسابات البقاء.
من هنا، لا تبدو المسألة مرتبطة بتوجيه اتهام لمكوّن بعينه، بقدر ما تتعلق بضرورة الحفاظ على سردية متوازنة تعترف بما جرى كما هو، دون إنكار أو مبالغة فبناء مرحلة جديدة قائمة على الثقة يتطلب وضوحاً في قراءة الماضي، بالتوازي مع تثبيت نهج الحاضر القائم على الشراكة وعدم الإقصاء.
وفي هذا الإطار، فإن المقارنة بين خطاب الحماية الذي استُخدم سابقاً، وما يقابله اليوم من خطاب المواطنة تبرز كأحد المفاتيح الأساسية لفهم التحول الجاري، وتؤكد أن تجاوز آثار المرحلة السابقة لا يمكن أن يتم إلا عبر مقاربة صادقة تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، بعيداً عن الاستخدام السياسي للهويات الدينية، أو توظيفها في لحظات التوتر لإعادة إنتاج الانقسام.
وتجدر الإشارة إلى أنه، رغم الخطاب الذي قدّم النظام البائد نفسه من خلاله كحامٍ للمسيحيين، تشير تقديرات متعددة إلى أن واحدة من أكبر موجات هجرة المسيحيين من سوريا حدثت خلال سنوات حكمه، خاصة بعد عام 2011.