قوافل عودة أهالي عفرين تنطلق من الحسكة… و"قسد" تحاول تسويق ما كانت تعرقله
شكلت عودة الدفعة الأولى من أهالي مدينة عفرين المقيمين في محافظة الحسكة إلى منازلهم في ريف حلب الشمالي محطة مهمة في مسار إنهاء واحدة من أطول حالات النزوح التي شهدها شمال سوريا منذ عام 2018، في وقت تحاول فيه ميليشيا قسد تقديم الحدث على أنه إنجاز سياسي وإنساني يسجل لصالحها، رغم ممارساتها المتكررة على مدى سنوات القائمة على منع عودة هؤلاء الأهالي واستخدامهم كورقة ضغط سياسية.
فقد غادرت، اليوم الإثنين، نحو 400 عائلة من أهالي عفرين محافظة الحسكة متجهة إلى مناطقها الأصلية، ضمن عملية منظمة تشرف عليها الدولة السورية في إطار الجهود الرامية لإعادة المهجرين إلى منازلهم بعد سنوات طويلة من النزوح والمعاناة داخل المخيمات.
قافلة العودة الأولى من الحسكة
انطلقت الحافلات التي تقل العائلات من دوار البانوراما عند المدخل الجنوبي لمدينة الحسكة، وسط إجراءات تنظيمية وأمنية لضمان وصول الأهالي إلى مناطقهم بسلام، وذلك بحضور الوفد الرئاسي المكلّف بمتابعة تنفيذ اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني مع ميليشيا قسد.
وأوضح المتحدث باسم الوفد الرئاسي المكلف بمتابعة تنفيذ الاتفاق أحمد الهلال أن الحكومة السورية عملت على تأمين 50 حافلة لنقل العائلات، إضافة إلى تجهيز سيارات إسعاف ومستلزمات لوجستية لمرافقة القافلة، مع استنفار قوى الأمن الداخلي لتأمين الطريق حتى وصول الأهالي إلى منازلهم.
وأشار الهلال إلى أن هذه الدفعة تمثل البداية فقط، مؤكداً أن دفعات أخرى ستتبعها خلال الفترة المقبلة بهدف إعادة جميع المهجرين إلى مناطقهم الأصلية، بما في ذلك أهالي بلدة الشيوخ في منطقة عين العرب.
بدوره وصف محافظ الحسكة نور الدين أحمد هذه العودة بأنها لحظة فرح طال انتظارها بعد سنوات من التهجير، مشيراً إلى أن وجود أهالي عفرين في المحافظة خلال السنوات الماضية أسهم في بناء علاقات اجتماعية وأخوية مع أبناء المنطقة.
وأكد أن عودة الأهالي إلى مدينتهم تمثل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار، متمنياً لهم حياة آمنة ومستقرة بعد سنوات طويلة من النزوح.
وفي السياق ذاته أكد مدير الشؤون السياسية في الحسكة عباس حسين أن الأيام القادمة ستشهد تنظيم دفعات إضافية من العائدين، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة ستترافق أيضاً مع تنفيذ ملف تبادل المعتقلين بين الدولة السورية و"قسد"، في إطار إجراءات بناء الثقة وتنفيذ بنود الاتفاق.
جذور النزوح… عملية تحرير عفرين عام 2018
يعود نزوح قسم من أهالي عفرين إلى 20 كانون الثاني/يناير 2018 عندما انطلقت العملية العسكرية لتحرير المنطقة من قبضة ميليشيا PKK وهي العملية التي أنهت سيطرة التنظيم على المدينة بعد سنوات من فرض سلطته العسكرية والإدارية عليها.
وخلال تلك المرحلة نزحت عائلات من المنطقة نتيجة المعارك، فيما قامت ميليشيا قسد بنقل أعداد كبيرة من المدنيين إلى مناطق سيطرتها، بداية إلى مخيمات منطقة الشهباء بريف حلب الشمالي، قبل أن يتم لاحقاً نقل العديد منهم إلى مناطق أخرى في الرقة ثم الحسكة.
ومع انتهاء العمليات العسكرية وسيطرة الجيش الوطني السوري على عفرين، بدأت المجالس المحلية والمؤسسات المدنية العمل على إعادة الحياة إلى المدينة وتسهيل عودة الأهالي إلى منازلهم، رغم ما سُجل في تلك المرحلة من انتهاكات فردية ارتكبتها بعض الفصائل بحق مدنيين، وهي انتهاكات لم تكن سياسة ممنهجة لمنع العودة.
كما عملت الحكومة السورية لاحقاً على تسهيل عودة الأهالي إلى مناطقهم، في إطار الجهود الهادفة إلى إعادة الاستقرار إلى المنطقة.
تقارير سابقة أكدت ان قسد منعت عودة النازحين
على الرغم من الحديث الإعلامي المتكرر عن دعم عودة الأهالي، تشير تقارير حقوقية وإعلامية عديدة إلى أن ميليشيا قسد لعبت دوراً أساسياً في منع عودة نازحي عفرين خلال السنوات الماضية.
ففي تقرير سابق نشرته شبكة شام بتاريخ 18 نيسان/أبريل 2022، وثق نشطاء من المكون الكردي عودة مئات العائلات الكردية والإيزيدية إلى قراهم في ريف عفرين، رغم الصعوبات الكبيرة التي واجهوها في الخروج من مناطق سيطرة "قسد".
وبحسب التقرير، تمكنت آنذاك نحو 350 عائلة من المكون الكردي ومكونات أخرى بينها الإيزيدية من العودة إلى منازلها في عفرين بعد أن كانت محتجزة في مخيمات تديرها "قسد" في منطقة الشهباء شمالي حلب.
وأشار التقرير إلى أن هذه العائلات واجهت صعوبات كبيرة في مغادرة المخيمات بسبب القيود المفروضة على حركتها، إضافة إلى حملات التخويف التي كانت تحذر الأهالي من العودة إلى مناطقهم.
كما أكد ناشطون أن مئات العائلات الأخرى كانت ترغب في العودة إلى قراها وممتلكاتها بعد تلقيها تطمينات من القوى المسيطرة على المنطقة، إلا أن القيود التي فرضتها "قسد" حالت دون ذلك في كثير من الحالات.
اتهامات باستخدام النازحين كورقة سياسية
ووفق شهادات نقلها التقرير ذاته، تحدث ناشطون حقوقيون عن أن حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري (PYD) استخدما نازحي عفرين كورقة سياسية خلال السنوات الماضية.
وأشار الناشط الحقوقي محمود علو إلى أن الحزب استخدم نازحي عفرين كـ دروع بشرية في مناطق الشهباء منذ عام 2018، مؤكداً أن القوانين الدولية تكفل حق كل شخص في العودة الطوعية إلى منزله دون إكراه.
كما تحدث ناشطون إعلاميون عن وجود مخيمات محاطة بالألغام والحواجز في تلك المناطق، إضافة إلى اتهامات بتجنيد القاصرين وإلحاقهم بمعسكرات التدريب العسكرية التابعة للتنظيم.
وفي السياق ذاته، أثارت تصريحات قيادات في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) جدلاً واسعاً آنذاك، عندما وصفت العائلات التي ترغب بالعودة إلى عفرين بأنها “مرتزقة سياسيون”، في موقف أثار غضباً واسعاً بين نشطاء من المكون الكردي.
محاولة استثمار الحدث إعلامياً
ورغم هذه الوقائع، تعاملت وسائل إعلام تابعة لـ"قسد" مع عملية العودة الأخيرة بوصفها إنجازاً سياسياً وإنسانياً يسجل لصالحها، في محاولة لإعادة صياغة الرواية الإعلامية حول ملف نزوح أهالي عفرين.
وفي هذا السياق قالت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، إن الاتفاق الأخير الموقع مع الحكومة المؤقتة يتضمن بنداً خاصاً بعودة المهجرين إلى عفرين والشهباء والشيخ مقصود ومناطق أخرى.
وشددت أحمد على ضرورة وجود مراقبة وضغط دوليين لضمان عودة آمنة وسريعة للمهجرين، ومتابعة هذا الملف من قبل الحكومة المؤقتة.
غير أن مراقبين يرون أن هذا الخطاب يأتي في إطار محاولة تسجيل نقاط سياسية وإعلامية في ملف كان أحد أبرز أسباب تعقيده خلال السنوات الماضية هو القيود التي فرضتها "قسد" نفسها على حركة النازحين.
بداية نهاية ملف النزوح
تشكل عودة الدفعة الأولى من أهالي عفرين من الحسكة خطوة أولى في مسار قد يشهد عودة آلاف العائلات خلال الفترة المقبلة، خصوصاً في ظل التفاهمات الأخيرة المتعلقة بوقف إطلاق النار ودمج المؤسسات التابعة لـ"قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وبين مشاهد الفرح التي رافقت انطلاق القوافل، وآمال الأهالي بطي صفحة النزوح، تبدو هذه العودة أكثر من مجرد انتقال سكاني، إذ تمثل بداية حقيقية لإغلاق أحد أكثر ملفات النزوح تعقيداً في شمال سوريا، وإعادة وصل ما قطعته سنوات الحرب بين الأهالي وأرضهم.