عيد ثقيل على مخيمات إدلب… الغلاء والديون يطغيان على طقوس الأضحى
مع حلول عيد الأضحى بدت العديد من مخيمات النزوح في إدلب شمال غرب سوريا أمام مشهد إنساني ومعيشي بالغ القسوة، حيث تتراجع مظاهر العيد التقليدية لصالح هموم المعيشة وتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
ويأتي ذلك في الوقت الذي يفترض أن يشكل العيد مساحة للفرح والتكافل الاجتماعي، يجد آلاف المهجرين أنفسهم أمام واقع اقتصادي خانق، تتداخل فيه أزمات الغلاء وضعف الدخل وتراجع المساعدات الإنسانية، ما جعل العيد عبئاً إضافياً على كثير من العائلات.
وفي التفاصيل بات الارتفاع في الأسعار السمة الأبرز للأسواق في الشمال السوري، إذ سجلت أسعار المواد الغذائية واللحوم والألبسة مستويات تفوق قدرة غالبية السكان وتشير تقديرات محلية إلى أن الأسرة الواحدة تحتاج إلى مبالغ شهرية تتجاوز إمكاناتها بكثير لتغطية أساسيات الحياة.
ويظهر أثر الأزمة بوضوح في أسواق المواشي، التي تشهد ركوداً غير مسبوق قبيل العيد فأسعار الأضاحي ارتفعت إلى مستويات قياسية نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل، إلى جانب تراجع أعداد المربين والضغوط التي يتعرض لها قطاع الثروة الحيوانية.
ولا تقتصر الأزمة على الغذاء والأضاحي فقط، بل تمتد إلى أسواق الألبسة التي فقدت حركتها المعتادة قبل العيد كثير من العائلات تكتفي هذا العام بالتجول في الأسواق دون قدرة فعلية على الشراء، فيما اضطر آخرون إلى الاستغناء عن شراء كسوة العيد للأطفال أو اللجوء إلى الملابس المستعملة كبديل أقل تكلفة.
ورغم هذا الواقع القاسي، لا تزال بعض مظاهر التماسك الاجتماعي حاضرة داخل المخيمات، ولو بحدودها الدنيا فالعائلات تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الأجواء المعنوية للأطفال، فيما تتواصل المبادرات الفردية والخيرية لتقديم بعض المساعدات أو تنظيم أنشطة بسيطة تخفف من وطأة الظروف الإنسانية.
وبحسب تقديرات، فإن الأسرة الواحدة في الشمال السوري تحتاج إلى أكثر من 7 ملايين ليرة سورية شهرياً، أي ما يعادل نحو 500 دولار، لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، وهو رقم يفوق قدرة غالبية العائلات المهجرة التي تعتمد على أعمال موسمية أو مساعدات محدودة وغير مستقرة.
وفي توصيف مباشر لحجم المعاناة، قال المدرس المهجّر "عفيف الصلال"، في حديثه لصحيفة الحرية إن القدرة الشرائية للمهجرين في المخيمات أصبحت شبه معدومة، فالرواتب المحدودة لا تكفي لتأمين الخبز والمياه، فكيف بكسوة العيد أو الحلويات، مضيفاً أن كثيراً من الأهالي يعيشون حالة عجز حقيقية أمام متطلبات الأطفال مع حلول العيد.
من جهته، أكد "محمد رشيد"، وهو من سكان قرية عقربات قرب الحدود السورية التركية، أن الفوارق المعيشية بين سكان المخيمات والقرى المحيطة تكاد تختفي، موضحاً أن الجميع بات يواجه الظروف ذاتها نتيجة الغلاء الكبير وتراجع الخدمات والمساعدات.
وانعكس الركود بوضوح أيضاً على الأسواق التجارية داخل المخيمات ومحيطها. وفي هذا السياق، أوضح "علاء ثلجة"، صاحب محل مواد غذائية، أن دفاتر الديون امتلأت بأسماء العائلات غير القادرة على الدفع مشيراً إلى أنه بات عاجزاً عن الاستمرار في تشغيل متجره بالشكل المعتاد بسبب تراكم الديون واحتجاز رأس المال.
أما في سوق الألبسة، فقد أكد صاحب محل الملابس "عبد المنعم الجمعة" أن الأسواق تشهد هذا العام حركة ضعيفة للغاية مقارنة بالمواسم السابقة، وقال إن العائلات تكتفي بمشاهدة البضائع دون شراء نتيجة ارتفاع الأسعار، مضيفاً أنه لم يتمكن من بيع سوى جزء بسيط من البضائع التي استوردها للموسم.
وفي سوق المواشي، وصف التاجر "مازن العيسى" حالة السوق بأنها ركود تاريخي مؤكداً أن أسعار الأضاحي ارتفعت بشكل جنوني وغير منطقي مقارنة بالعام الماضي نتيجة ارتفاع تكاليف التربية والأعلاف، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية لدى السكان، ما أدى إلى شبه غياب للمشترين في الأسواق.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند الغذاء واللباس، بل امتدت إلى حركة التنقل وصلة الأرحام خلال العيد، إذ أدى ارتفاع أسعار المحروقات إلى تضاعف أجور النقل بين المخيمات والبلدات، الأمر الذي دفع كثيراً من العائلات إلى إلغاء الزيارات العائلية والاكتفاء بالاتصالات الهاتفية كبديل أقل تكلفة.
ويعكس المشهد العام في مخيمات ريف إدلب حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه السكان في الشمال السوري، حيث يتقاطع النزوح الطويل مع التضخم وغياب الاستقرار المعيشي، ليأتي العيد هذا العام محملاً بمزيد من القلق بدل أن يكون مناسبة للفرح والانفراج.