زيارة القبور في أيام العيد: طقس اجتماعي متوارث واستحضار لذكرى الراحلين
زيارة القبور في أيام العيد: طقس اجتماعي متوارث واستحضار لذكرى الراحلين
● محليات ٢١ مارس ٢٠٢٦

زيارة القبور في أيام العيد: طقس اجتماعي متوارث واستحضار لذكرى الراحلين

يحافظ السوريون خلال الأعياد على تقليد زيارة المتوفين من أفراد العائلة والأقارب والأصدقاء، كإحدى أبرز العادات المجتمعية المتوارثة في البلاد، إذ تمثل هذه الزيارة فرصة لاستذكار الأحبة والعناية بمكان دفنهم، بما يعكس ارتباط المجتمع بتراثه وقيمه الإنسانية.

غالباً ما يبدأ السوريون هذا الطقس في الصباح الباكر من أول أيام العيد، حاملين معهم الماء ونبات الريحان الذي يضفي رائحة زكية ولوناً أخضر، فيمكثون عند القبور، يسقونها وينظفونها من الأعشاب اليابسة، ويقرؤون لها الفاتحة وآيات قرآنية، داعين للمتوفى بالرحمة والمغفرة.

تعلم السوريون هذه العادة من أجدادهم وتمسكوا بها لأسباب عدة، أبرزها الحفاظ على القبور والعناية بها واستحضار ذكرى الراحلين بمناسبة العيد والدعاء لهم وتنظيف شواهدهم، وفي الوقت نفسه لتعليم أبنائهم قيم الاحترام والتقدير للأجيال السابقة حتى وإن رحلوا، ما يجعل زيارة المقابر فرصة لتعزيز الذاكرة الجماعية والوفاء للراحلين.

ولا تقتصر دوافع زيارة القبور على البعد الاجتماعي والإنساني، بل تستند أيضاً إلى خلفية دينية يشجّع عليها علماء الدين، لما تحمله هذه الزيارة من دلالات إيمانية وتربوية، إذ تذكّر الإنسان بالموت والآخرة وبحتمية الرحيل وقِصر الحياة، ما يدفعه إلى مراجعة نفسه والابتعاد عن الذنوب والعمل للآخرة.

كما تتيح فرصة للدعاء للميت وطلب الرحمة والمغفرة له، وهو ما يُعدّ من مظاهر البرّ بالميت حتى بعد وفاته، فضلاً عن أنها تدفع الإنسان إلى الاتعاظ والاعتبار وتقلّل من تعلّقه بالدنيا، وتحثّه على التواضع والتفكير في نهاية كل إنسان.

في الوقت الذي يشكل فيه هذا الطقس جزءاً من عادات العيد، يظل كثير من السوريين محرومين منه، ويعتبر بالنسبة لهم أمراً مستحيلاً أو بعيد المنال، ومن بينهم عوائل الشهداء الذين فقدوا أبنائهم في سجون النظام البائد، حيث استشهد الأبناء تحت التعذيب أو الإعدامات الميدانية، وتم دفنهم في مقابر جماعية مجهولة.

إلى جانبهم، هناك أسر الشهداء الذين ارتقوا في المعارك ضد قوات الأسد، ولم يتمكنوا من الوصول إلى جثامين أبنائهم لإحضارها ودفنها بشكل لائق، إضافةً إلى السوريين الذين فقدوا حياتهم في البحار أو اختفوا في الغابات وغيرها من السيناريوهات المأساوية التي حدثت خلال رحلات اللجوء.

وينطبق الأمر على الذين هاجروا خارج سوريا خلال سنوات الثورة وتوفي أحد أفراد عائلتهم أثناء اللجوء، واضطروا إلى دفنه في بلاد الغربة بسبب صعوبة نقل الجثامين إلى الوطن، ثم عاد ذووهم إلى سوريا بعد التحرير، حاملين معهم حسرة القلوب على قبور أحبتهم التي تركوها خلفهم.

يحاول هؤلاء، رغم بعدهم الجغرافي، الحفاظ على الاهتمام بقبور أحبّتهم في بلاد الغربة، وذلك من خلال التواصل مع أصدقائهم أو معارفهم المقيمين هناك وتوصيتهم بزيارة القبور خلال أيام العيد، وتفقّدها وتنظيفها وسقاية المزروعات المحيطة بها، ما يمنحهم شعوراً بشيء من الراحة النفسية ويخفف من وطأة الحرمان الناتج عن عدم قدرتهم على التواجد شخصياً عند القبور في هذه المناسبة.

غالباً ما يعيش الأشخاص المحرومون من زيارة القبور خلال العيد شعوراً بالحسرة والضغط النفسي، إذ لم تقتصر معاناتهم على فقدان الأحبة فحسب، إذ امتدت أيضاً إلى غياب أي أثر يذكّرهم بهم ويخفف من وطأة الألم الذي يعيشونه.

وقد ضاعف ذلك من معاناة أمهات المعتقلين والشهداء والمختفين، إذ وصل بهن الحال إلى حدّ أن أصبحن يغبطن الأمهات الأخريات اللواتي يعرفن مواقع دفن أبنائهن ويستطعن زيارة قبورهم متى شئن، خاصة خلال سنوات الثورة السورية وما رافقها من اعتقالات وإعدامات ميدانية وظروف قاسية أدت إلى استشهاد آلاف السوريين.

 وتظل زيارة المقابر خلال العيد طقساً اجتماعياً متوارثاً وعميق الدلالة، يحافظ عليه السوريون في هذه المناسبة، لما يجمعه من وفاء للراحلين واستحضار لذكراهم، ويعكس الارتباط النفسي والإنساني للمجتمع السوري بأحبّته.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ