ذكرى أحداث الساحل: كيف واجهت الدولة الوليدة أخطر محاولة تمرّد لفلول نظام الأسد البائد؟
تعيد الذكرى السنوية الأولى لأحداث الساحل السوري، التي بدأت في السادس من آذار 2025 واستمرت حتى العاشر من الشهر ذاته، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الأسد البائد، إذ شهدت تلك الأيام محاولة تمرّد مسلح نفذتها مجموعات من فلول النظام المخلوع، ضمّت ضباطاً وعناصر مرتبطين ببقايا الأجهزة الأمنية والعسكرية السابقة، واستهدفت بشكل منسق مواقع وعناصر تتبع لوزارتي الداخلية والدفاع في اللاذقية وطرطوس وبانياس وجبلة، في محاولة لإرباك الدولة السورية الجديدة وفرض واقع أمني وسياسي بالقوة.
تؤكد القراءة المتأنية لتلك الوقائع أن ما جرى كان تحركاً منظماً حمل ملامح التمرّد المسلح الكامل، ظهر حينها تحت اسم عملية “درع الساحل”، وأسفر عن استشهاد مئات المدنيين ونحو 350 عنصراً من الجيش والأمن، ضمن مخطط استهدف خلق فراغ أمني يفتح الباب أمام تشكيل كيانات خارجة عن سلطة الدولة، غير أن يقظة المؤسسات الأمنية، وتماسك المجتمع المحلي، ووعي أهالي الساحل، كلها عوامل ساهمت في إفشال المحاولة خلال أيام قليلة.
وفق باحثين، تفرض الذكرى الأولى لذلك التمرّد حاجة أكبر إلى التوثيق والتحليل من مجرد الاستعادة الصحفية، لأنها تمثل أول اختبار أمني واسع للدولة الجديدة بعد أشهر قليلة من تشكيلها، كما تكشف الكيفية التي تعاملت بها مؤسساتها مع أخطر تمرد شهدته البلاد بعد التحرير، وتبرز في الوقت ذاته كيف منعت الدولة انزلاق المواجهة إلى فوضى انتقامية، رغم قسوة المشهد واتساع الاستهداف.
بدايات التمهيد للتمرّد
تكشف المعطيات أن إرهاصات الهجوم لم تبدأ في السادس من آذار بشكل مفاجئ، بل سبقتها مؤشرات واضحة منذ 25 شباط 2025، حين تصاعدت هجمات متفرقة نفذتها مجموعات من فلول النظام المخلوع ضد حواجز ودوريات ونقاط أمنية في اللاذقية والساحل، ما يعني أن يوم السادس من آذار لم يكن بداية الأزمة بقدر ما كان نقطة التحول من عمليات متفرقة إلى تمرّد منسق واسع النطاق.
توضح الوقائع أيضاً أن المناطق الريفية والجبلية في ريفي اللاذقية وطرطوس شكّلت خلال الأشهر السابقة ساحة نشاط سري لبقايا الشبكات المرتبطة بالنظام المخلوع، والتي استفادت من تعقيدات البيئة الاجتماعية والجغرافية في الساحل لإعادة تنظيم نفسها، ومحاولة إحياء ارتباطاتها القديمة، مع تسجيل محاولات للتسلل إلى بعض المساحات المدنية والأمنية تحت غطاء العمل الأهلي أو السياسي.
التطورات التي سبقت الهجوم تُظهر أن الخامس من آذار 2025 شهد مؤشرات تصعيد علنية، تمثلت في حملات تحريض منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي قادتها حسابات وشخصيات معروفة بولائها للنظام المخلوع، ودعت بشكل مباشر إلى التمرّد على الدولة السورية الجديدة، بالتوازي مع ترويج شائعات ممنهجة عن حوادث خطف مزعومة لفتيات في الساحل، تبيّن لاحقاً أنها روايات مفبركة استخدمت في التحريض وتهيئة المناخ العام قبل بدء العمل المسلح.
شرارة الغدر وبداية الهجوم
انطلقت الشرارة الأولى للتمرد من محور جبلة وريفها، حين استهدفت المجموعات المسلحة قوات الأمن خلال محاولة اعتقال مطلوب، في كمين منظم أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 13 عنصراً في الساعات الأولى، فيما ربطت بعض الروايات المحلية البداية المباشرة ببيت عانا، مسقط رأس المجرم سهيل الحسن، لتتحول بعد ذلك الهجمات إلى مشهد أشمل امتد على مساحة الساحل.
أعطى مساء السادس من آذار المعنى الكامل لمصطلح “التمرّد”، بل وأعاد طرح معنى “الخيانة” بصورة مباشرة، إذ جرى توجيه السلاح بشكل منظم نحو مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية في وقت كانت فيه السلطة الجديدة تعمل على إعادة بناء التوازن الوطني وتفكيك البنية العسكرية القديمة التي خلفها النظام المخلوع.
باشرت المجموعات المهاجمة، التي ظهر بعضها تحت مسمى “درع الساحل”، تنفيذ هجمات متزامنة على حواجز الجيش العربي السوري ودوريات الأمن وبعض المقار الأمنية في عدة مناطق من الساحل، معتمدة على الغدر والمباغتة، وأفضى الهجوم إلى استشهاد 75 عنصراً وأسر نحو 200 آخرين في مراحله الأولى، مع تمكن المهاجمين مؤقتاً من السيطرة على مواقع حساسة، من بينها قيادة الكلية البحرية، ومطار إسطامو، والقطعة العسكرية في قمة النبي يونس، إضافة إلى الانتشار على الجسور والطرق الرابطة مع المحافظات الأخرى.
اعتمدت تلك المجموعات في تحركها على أساليب متعددة من حرب العصابات والجرائم الحربية، بما في ذلك استهداف سيارات الإسعاف وحافلات النقل، واستخدام كمائن مسلحة مزودة برشاشات ثقيلة وقذائف، وقطع الطريقين الدوليين M1 بين حمص واللاذقية وM4 بين حلب واللاذقية، بعد استدراج دوريات أمنية وعسكرية من خلال نداء استغاثة كاذب شرق جبلة، قبل أن تتعرض لوابل من النيران.
قيادات الفلول ودلالات التخطيط
سبق الهجوم إعلان العميد غياث دلا، القائد السابق لما يعرف بقوات “الغيث” التابعة للفرقة الرابعة، تأسيس تشكيل عسكري باسم “درع الساحل” بهدف ضرب الحكومة السورية، فيما خرج أحد قادة الفلول المدعو مقداد فتيحة ليتحدث عن الهجوم، مدعياً وجود دعم روسي ووعود باعتراف بدولة في الساحل إذا تمكنت المجموعات المهاجمة من الصمود 24 ساعة، وهي معطيات أظهرت مبكراً أن الهدف لم يكن مجرد إحداث فوضى، بل محاولة فرض أمر واقع انفصالي بالقوة.
تثبت الوثائق الأوروبية الصادرة في 23 حزيران 2025 دلالات إضافية حول بعض الأسماء التي ارتبطت بالمشهد، إذ وصفت غياث دلا بأنه عميد سابق في الفرقة الرابعة سيئة الصيت، ومسؤول عن انتهاكات جسيمة موثقة، بينها القتل خارج القانون والمعاملة القاسية، كما أشارت إلى أنه أسس بعد سقوط النظام “المجلس العسكري لتحرير سوريا” في آذار 2025، وأن وحداته انخرطت في أعمال عنف طائفي في الساحل.
توضح الوثائق ذاتها أن سهيل الحسن، القائد السابق للفرقة 25 أو ما كان يعرف بقوات النمر، ارتبط كذلك بانتهاكات جسيمة شملت التعذيب والقتل خارج القانون والاعتقال التعسفي، وأنه أسس بعد سقوط النظام “لواء درع الساحل” في آذار 2025، وأن وحداته شاركت في تمرّد فلول النظام في الساحل، وهو توصيف صادر عن جهة رسمية دولية ويمنح الحدث بعداً توثيقياً يتجاوز السجالات السياسية.
أضافت التسريبات والتحقيقات اللاحقة مادة أوضح على مستوى التخطيط المسبق، إذ نشرت الجزيرة في 31 كانون الأول 2025 خلاصة تحقيق استند إلى أكثر من 74 ساعة من التسجيلات المسربة ومئات الصفحات من الوثائق حول مساعٍ لضباط كبار في النظام المخلوع لزعزعة الاستقرار في سوريا، كما أعادت وكالة سانا في الأول من كانون الثاني 2026 إبراز ما وصفته بكشف لتحركات سياسية وعسكرية هدفت إلى إعادة تنظيم الصفوف والتخطيط لعمليات مسلحة، وخاصة في الساحل.
تشير نتائج التحقيقات إلى أن المتمردين استخدموا تكتيكات إجرامية متعددة، من بينها استدراج القوى الأمنية بنداءات كاذبة، وزرع عبوات ناسفة على الطرق الرئيسية والفرعية، وإطلاق نار عشوائي في أحياء سكنية في اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس، إضافة إلى خطف حافلات وسيارات تقل موظفين وإعلاميين، بما يظهر أن الهجوم استهدف الدولة والمجتمع معاً.
وعُثر خلال عمليات التحرير اللاحقة على عدة مقابر جماعية في مناطق ريفية وجبلية في الساحل، ضمت جثامين لعناصر من الجيش وقوى الأمن استشهدوا بعد أسرهم، فيما وثقت لجنة تقصي الحقائق مقتل نحو 350 عنصراً من الجيش والأمن خلال تلك الأحداث، كثير منهم أعدموا أو دفنوا في مقابر جماعية بعد تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة.
رد الدولة واستعادة السيطرة
وكانت أعلنت القيادة السورية فور اندلاع الهجمات اتخاذ إجراءات عاجلة لاحتواء التمرّد، حيث تحركت وحدات من الجيش العربي السوري وقوى الأمن الداخلي بسرعة نحو المناطق المستهدفة، ونُفذت عمليات تطويق واسعة هدفت إلى منع المجموعات المهاجمة من توسيع رقعة انتشارها أو التقدم نحو مراكز المدن.
نفذت القوات المسلحة خلال يومي الثامن والتاسع من آذار عمليات أمنية أفضت إلى تفكيك عدد كبير من الخلايا المسلحة، وإلقاء القبض على عشرات المتورطين، وضبط كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والعبوات الناسفة التي كانت مجهزة لهجمات إضافية، في تطور ساهم في قلب المشهد الميداني خلال وقت قصير.
لكن الدخول العشوائي والغير منتظم لقوى متعددة التوجهات والقيادات، تسبب في حالة فوضى أمني استمرت لقرابة 24 ساعة، بالتوازي مع هجمات لفلول نظام الأسد التي صعدت الموقف وتسببت في ارتكاب انتهاكات متعددة بحق مدنيين لم يثبت تورطهم بأي اعتداء على قوى الأمن، وهذا ماأقرت به السلطة في دمشق وبادرت لتشكيل لجان للتحقيق واعتقال متورطين بتلك الانتهاكات التي رافقت حالة الفوضى الأمنية.
بدأت الأوضاع الأمنية بالتحسن التدريجي بحلول العاشر من آذار، حيث أعيد فتح الطرق الرئيسية والفرعية، وأعلن تأمين الطرق الدولية، فيما عززت القوى الأمنية انتشارها حول المدن والبلدات من أجل حماية المدنيين ومنع أي أعمال انتقامية أو فوضى، في رسالة واضحة بأن الدولة تخوض معركة استعادة الأمن، لا معركة انتقام جماعي.
حرصت أجهزة الدولة خلال مرحلة استعادة السيطرة على التأكيد أن التعامل مع السكان المحليين جرى وفق القانون، ومن دون استهداف جماعي لأي منطقة أو فئة، وأن أي تجاوزات فردية تمت ملاحقتها وضبطها، بما يثبت أن التمرّد كان فعلاً معزولاً لا يمتلك غطاءً اجتماعياً حقيقياً في الساحل.
تجاوزات فردية ومسار محاسبة وطني
وقعت خلال دخول التعزيزات العسكرية والأمنية إلى بعض المناطق الساخنة حالات تجاوز بحق مدنيين، نتيجة حالة الغضب الشعبي بعد استشهاد عشرات من عناصر الجيش والأمن والتمثيل ببعض جثامينهم على يد فلول النظام المخلوع، وهو ما أقرت به وزارة الداخلية وأكدت أنه مخالف لتوجيهات الدولة.
أكدت الوزارة أن الجهات المختصة تحركت لإيقاف تلك التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها، وأن الدولة ترفض تحويل معاناة الضحايا إلى مبرر لأي انتهاك انتقامي، انسجاماً مع مسار العدالة الانتقالية وبناء دولة القانون والمؤسسات.
وكان أصدر الرئيس أحمد الشرع في التاسع من آذار قراراً بتشكيل لجنة وطنية لتقصي الحقائق في أحداث الساحل، لتتولى توثيق الانتهاكات وتحديد المسؤوليات وفق المعايير القانونية والإنسانية، في خطوة عكست رغبة رسمية في ملاحقة الوقائع من خلال القانون لا عبر الخطاب أو الانفعال.
خلصت اللجنة الوطنية السورية في 22 تموز إلى تسجيل 1426 قتيلاً إجمالاً، بينهم 238 من قوات الأمن والجيش في هجمات فلول النظام، وحددت 298 مشتبهاً بهم في الجرائم ضد المدنيين و265 مشتبهاً بهم في الهجمات على القوات الأمنية، بما فتح الباب أمام ملاحقات قضائية أوسع تستند إلى معطيات موثقة.
وشدد رئيس اللجنة الوطنية، القاضي جمعة العنزي، على أن هذه المحاكمات تمثل لحظة فارقة في بناء سوريا الجديدة، وترسيخ مبدأ العدالة الانتقالية، بما يكفل حقوق الضحايا ويحول دون إفلات المجرمين من العقاب، في تأكيد على أن المواجهة مع إرث نظام الأسد البائد لا تكتمل من دون محاسبة قانونية واضحة.
مواقف دولية ومبدأ المساءلة
أدانت أطراف إقليمية ودولية الهجمات التي نفذتها مجموعات مسلحة موالية للنظام المخلوع ضد قوات الأمن والمؤسسات الحكومية في الساحل، وشددت بيانات متعددة على ضرورة حماية المدنيين ودعم التحقيقات المستقلة، بما منح المسار السوري بعداً إضافياً على مستوى الاعتراف الدولي بخطورة ما جرى.
ورحبت سوريا كذلك بتعاونها مع لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، التي أكد رئيسها باولو سيرجيو بينهيرو في أكثر من إحاطة لمجلس حقوق الإنسان أن المساءلة تشكل مفتاح العدالة، وأن مستقبل البلاد سيتحدد بقدرتها على معالجة انتهاكات الماضي ضمن إطار دولة موحدة وآمنة وجامعة.
التحريض المستمر بعد مرور عام
تتواصل رغم مرور عام كامل على ذكرى تمرّد فلول النظام المخلوع محاولات التجييش عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف خلق تحركات جديدة في مدن وأرياف الساحل ضد الدولة، مع استمرار خطاب التحريض الطائفي وبث الفتنة، في ما يبدو امتداداً لمشروع الفوضى الذي حاولت تلك المجموعات فرضه في آذار 2025.
يؤكد هذا السلوك، وفق متابعين، أن فلول النظام المخلوع لم يتخلوا عن الرهان على زعزعة الاستقرار، حتى لو قادهم ذلك إلى ارتكاب مجازر جديدة بحق القوات الأمنية أو المدنيين، وهو ما يكشف رفضاً صريحاً لأي استقرار في سوريا، رغم أن المرحلة الأولى التي تلت التحرير لم تشهد إساءة ممنهجة لأي طرف، إلى أن جاء تحرك الفلول في محاولة لخلط الأوراق.
الحاجة إلى أدوات قانونية رادعة
ويفرض استمرار التحريض، وخاصة في ذكرى تمرّد الفلول، ضرورة التعامل معه ضمن أسس قانونية واضحة، لأن مواصلة هذا الخطاب لا تمس فقط السلم الأهلي، بل ترتبط مباشرة بأمن الدولة واستقرار المجتمع، وهو ما يجعل ضبطه مسألة مؤسساتية لا مجرد خيار سياسي.
المشهد بعد عام
تكشف ذكرى تمرّد الساحل، بعد مرور عام على أحداث السادس من آذار 2025، أن المتمردين حاولوا استغلال خصوصية الساحل وتركيبته الاجتماعية وموقعه الاستراتيجي لفرض أمر واقع بالسلاح، إلا أن سرعة استجابة الجيش والأجهزة الأمنية، وتماسك المجتمع المحلي، وتشكيل لجنة تحقيق وطنية، وإطلاق مسار محاكمات علنية، كلها عوامل أسهمت في إفشال المخطط وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.