خطة إسكانية حكومية لمواجهة أزمة السكن في سوريا عبر التمويل المتعدد والشراكات والاستثمار
خطة إسكانية حكومية لمواجهة أزمة السكن في سوريا عبر التمويل المتعدد والشراكات والاستثمار
● محليات ١٢ مارس ٢٠٢٦

خطة إسكانية حكومية لمواجهة أزمة السكن في سوريا عبر التمويل المتعدد والشراكات والاستثمار

كشفت المؤسسة العامة للإسكان عن ملامح خطة حكومية جديدة للتعامل مع أزمة السكن في سوريا، في وقت ما يزال فيه هذا الملف من أكثر الملفات الخدمية والاقتصادية إلحاحاً، نتيجة الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب في سوريا، وما رافقها من فساد وسوء إدارة وقصف ممنهج طال الأحياء السكنية على يد نظام الأسد البائد، وحوّل مناطق واسعة إلى كتل من الأنقاض، وعمّق الفجوة بين حجم الحاجة السكنية وقدرة الدولة والمواطنين على الاستجابة لها.

وفي هذا السياق، تحدث المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان المهندس تمام الدبل، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، عن تفاصيل الخطة الإسكانية ومصادر تمويلها وآليات تنفيذها، مؤكداً أن الحكومة تمتلك “خريطة طريق وطنية” لمعالجة الأزمة، تقوم على مزيج من التمويل الحكومي، والشراكات الدولية، والاستثمار المحلي.

صلب الخبر
أوضح الدبل، أن وزارة الأشغال العامة والإسكان لم تعد تتعامل مع ملف إعادة الإعمار من زاوية الاستجابة الإسعافية المؤقتة فقط، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر شمولاً ونضجاً تقوم على “التخطيط للتنمية العمرانية المستدامة”، بما يتيح بناء مقاربة بعيدة المدى لمعالجة أزمة السكن وتحريك المشاريع المتعثرة.

لفت إلى أن اللجان المشكلة لمتابعة المشاريع المتوقفة تعمل حالياً على تنفيذ حصر دقيق للأضرار في 14 محافظة، مع تصنيف المناطق المتضررة إلى ثلاثة مستويات، تشمل مناطق تحتاج إلى تدخل إنقاذي عاجل لإيواء العائدين، وأخرى قابلة للتأهيل والترميم بتكاليف اقتصادية، إضافة إلى مناطق مدمرة بالكامل تتطلب إعادة بناء وفق مخططات تنظيمية جديدة، وهو ما يعكس توجهاً لإدارة الملف وفق أولويات واقعية وميدانية.

أوضح أن الأولوية الحالية تتجه نحو المشاريع المتوقفة التي تجاوزت نسبة الإنجاز فيها 50 بالمئة، على اعتبار أن استكمالها يحتاج إلى وقت أقل وكلفة إضافية محدودة مقارنة بإطلاق مشاريع جديدة من الصفر، ما يجعلها مدخلاً عملياً لتوفير وحدات سكنية بوتيرة أسرع.

وكشف أن الوزارة تعمل على “حزمة تمويلية متعددة المصادر” لدعم هذه المشاريع، موضحاً أن التمويل لن يقتصر على الموازنة العامة فقط، بل سيشمل مخصصات متزايدة في موازنة عام 2026 لإعادة تأهيل البنى التحتية في المناطق السكنية، إلى جانب تفعيل دور صندوق الإسكان لتقديم قروض ميسرة للمواطنين الراغبين في ترميم منازلهم أو بناء وحدات جديدة.

وأضاف أن الوزارة تنسق أيضاً مع السوريين في الاغتراب لتوجيه جزء من تحويلاتهم المالية نحو استثمارات سكنية في مناطقهم الأصلية، كما تجري مفاوضات متقدمة مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية “الهابيتات” لتنفيذ مشاريع إسكان اجتماعي في خمس محافظات، في مؤشر على توجه حكومي لربط ملف السكن بمصادر تمويل متنوعة وعدم رهنه بجهة واحدة.

تحدث الدبل عن منصة “استثمر معنا” التي أطلقتها الوزارة مؤخراً، مبيناً في تصريحه للصحيفة أن المنصة تضم حالياً 42 فرصة استثمار عقاري موزعة على 10 محافظات، إضافة إلى أراضٍ استراتيجية بمساحة تصل إلى خمسة ملايين متر مربع، قابلة لإقامة مدن سكنية متكاملة عليها، مع حوافز تتضمن إعفاءات ضريبية لمدة خمس سنوات وتسهيلات في منح التراخيص.

أشار إلى أن ثلاث شركات خليجية أبدت اهتماماً جدياً بالاستثمار في مشاريع سكنية في منطقتي الديماس ومرتفعات الزبداني، بعد أن أجرت وفودها الفنية زيارات ميدانية وقدمت دراسات جدوى أولية، في ما يعكس محاولة رسمية لتحريك الاستثمار الخارجي في القطاع العقاري، بوصفه أحد مفاتيح معالجة النقص الحاد في المعروض السكني.

بيّن الدبل أن الوزارة تدرس أيضاً حلولاً للتخفيف من أزمة الإيجارات المرتفعة، عبر ما وصفه بـ“الاقتصاد الدائري في قطاع الإسكان”، من خلال طرح أراضٍ مملوكة للدولة بنظام حق الانتفاع لمدة 25 عاماً أمام المستثمرين لإقامة أبراج سكنية مؤجرة بأسعار مدروسة، إضافة إلى تفعيل دور الجمعيات التعاونية السكنية ومنحها تسهيلات أوسع في الحصول على الأراضي والتراخيص.

أوضح أن من بين الحلول المطروحة كذلك اعتماد تصميمات لوحدات سكنية صغيرة المساحة تتراوح بين 45 و65 متراً مربعاً، بما ينسجم مع احتياجات الأسر الصغيرة والعزاب، ويخفض في الوقت نفسه تكاليف البناء والأسعار النهائية، في محاولة لتقديم بدائل أكثر واقعية في ظل التراجع الكبير في القدرة الشرائية للمواطنين.

لم يُخفِ المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان، في تصريحه، حجم العقبات التي تعترض تنفيذ هذه الخطط، وفي مقدمتها الارتفاع الحاد في تكاليف البناء نتيجة زيادة أسعار المواد الأولية بأكثر من 300 بالمئة خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى تعقيدات الملكيات العقارية في المناطق القديمة والمدمرة، وتضرر البنية التحتية في كثير من المناطق التي لا يمكن البدء فيها بأي مشاريع إسكانية قبل إعادة تأهيل شبكاتها الأساسية.

أكد أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع وزارتي الإدارة المحلية والطاقة لوضع خطة متكاملة لإعادة تأهيل البنية التحتية في المناطق المستهدفة، بما يضمن أن تنطلق المشاريع السكنية الجديدة فوق أرضية خدمية وتنظيمية قابلة للحياة والاستدامة.

وشدد الدبل، على أن الوصول إلى هدف “لكل أسرة منزل” ليس قراراً سريعاً أو إجراءً منفصلاً، بل مشروع دولة متكامل يتطلب تخطيطاً عمرانياً سليماً، وتأمين الأراضي والمقاسم، وتطوير التشريعات، وتحريك المشاريع المتوقفة، وتوسيع الشراكات الاستثمارية، إلى جانب توفير التمويل وآليات التنفيذ السريع، مع إعطاء أولوية للفئات الأكثر حاجة وللمشاريع القابلة للإقلاع السريع.

تأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه قطاع الإسكان في سوريا واحدة من أعقد أزماته، في ظل وجود نحو 1.3 مليون وحدة سكنية متضررة، وتزايد الضغط على السوق العقارية وارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل أي خطة لمعالجة هذا الملف مرهونة بقدرة الحكومة على تحويل الرؤى المعلنة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

وبحسب ما ورد في تصريح المهندس، فإن التوجه الحكومي الحالي يقوم على توسيع التعاون مع الشركاء المحليين والدوليين، وتحريك الأراضي غير المستثمرة، ورفع المعروض السكني، بما يخفف الضغط عن المواطنين ويمهد لمعالجة تدريجية لأزمة سكنية باتت تمس شريحة واسعة من السوريين.

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ