جدل حول إعادة تعويم شخصيات مرتبطة بملف أطفال المعتقلين في سوريا
جدل حول إعادة تعويم شخصيات مرتبطة بملف أطفال المعتقلين في سوريا
● محليات ١٠ مارس ٢٠٢٦

جدل حول إعادة تعويم شخصيات مرتبطة بملف أطفال المعتقلين في سوريا

أثار تداول صور من حفل إفطار نظمته جمعية المساعي الخيرية في دمشق موجة جدل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بعد ظهور شخصيات ارتبطت سابقاً بإدارة دور رعاية الأطفال في عهد نظام الأسد البائد.

ولم يكن الجدل مرتبطاً بالمناسبة الاجتماعية بحد ذاتها بقدر ما انصبّ على دلالات ظهور هذه الأسماء مجدداً في الفضاء العام، في وقت لا يزال فيه ملف أطفال المعتقلين والمغيبين قسراً مفتوحاً ويشكّل أحد أكثر القضايا حساسية في الذاكرة السورية.

وأظهرت الصور التي انتشرت مشاركة شخصيات جدلية من بينها ندى الغبرة ولمى الصواف، إلى جانب وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات وعدد من الفاعلين في العمل الخيري، في فعالية قالت الجمعية إنها جاءت لتكريم شخصيات ساهمت في العمل الإنساني.

غير أن ظهور هذه الأسماء أعاد إلى الواجهة نقاشاً واسعاً حول ما وصفه ناشطون ومحامون حقوقيون بمحاولات إعادة تعويم شخصيات ارتبطت إداريّاً أو وظيفياً بملف دور الأيتام التي استقبلت أطفال معتقلين خلال سنوات الثورة السورية.

ويرى منتقدون أن الجدل لا يتعلق بإدانة مسبقة لهذه الشخصيات بقدر ما يرتبط بالسياق العام لمرحلة العدالة الانتقالية التي تعيشها البلاد بعد سقوط نظام الأسد البائد ويؤكد هؤلاء أن أي ظهور علني أو تكريم لشخصيات ارتبط اسمها بإدارة دور الرعاية خلال تلك المرحلة الحساسة يثير تساؤلات أخلاقية وسياسية حول توقيت إعادة تقديمها في المجال العام، خصوصاً قبل اكتمال التحقيقات الرسمية المتعلقة بمصير آلاف الأطفال الذين فُصلوا عن عائلاتهم.

ويكتسب هذا النقاش حساسية إضافية بسبب الطبيعة المعقدة لملف أطفال المعتقلين، وهو الملف الذي بدأ يتكشف تدريجياً بعد سقوط نظام الأسد البائد في نهاية عام 2024.

وتشير التحقيقات والتقارير الحقوقية إلى أن آلاف الأطفال الذين اعتُقلوا مع ذويهم أو وُلدوا داخل السجون جرى فصلهم قسراً عن عائلاتهم ونقلهم إلى دور رعاية مختلفة في دمشق ومحيطها.

وتشمل هذه المؤسسات مجمع لحن الحياة وجمعية المبرة لكفالة الأيتام ودار الرحمة للأيتام إضافة إلى عدد من الجمعيات الخيرية الأخرى.

وتشير شهادات ووثائق ظهرت بعد سقوط النظام البائد إلى أن نقل هؤلاء الأطفال كان يتم عبر كتب سرية صادرة عن أجهزة أمنية، وعلى رأسها المخابرات الجوية، إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي كانت بدورها توجّه دور الرعاية لاستقبالهم.

وفي العديد من الحالات جرى تغيير أسماء الأطفال أو ألقابهم العائلية في السجلات الرسمية، في خطوة يرى حقوقيون أنها هدفت إلى إخفاء هوياتهم ومنع عائلاتهم من تعقبهم.

وجعلت هذه الخلفية الثقيلة من ظهور شخصيات مثل ندى الغبرة ولمى الصواف – وهما من الإداريات السابقات في مجمع “لحن الحياة” – موضوعاً للنقاش الحاد على المنصات الرقمية، حيث اعتبر ناشطون أن إعادة تقديم هذه الشخصيات في مناسبات عامة قبل انتهاء التحقيقات قد تُفسَّر على أنها محاولة لإعادة تأهيلها اجتماعياً.

في المقابل يرى آخرون أن تحميل المسؤولية لأي شخص يجب أن يبقى رهناً بالتحقيقات القضائية والأدلة القانونية، خاصة أن كثيراً من العاملين في تلك المؤسسات يقولون إنهم كانوا يعملون تحت ضغوط مباشرة من الأجهزة الأمنية في ذلك الوقت.

وكانت أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في وقت سابق توقيف عدد من الأشخاص المرتبطين بملف أطفال المعتقلين ووضعهم قيد التحقيق بالتنسيق مع وزارة الداخلية، في إطار عمل لجنة تحقيق خاصة تشكّلت بموجب القرار رقم 1806 لعام 2025 لمتابعة مصير أبناء وبنات المعتقلين والمغيبين قسراً وتشمل التحقيقات مسؤولين سابقين في دور الرعاية وشخصيات إدارية كانت تعمل في مؤسسات مرتبطة برعاية الأيتام.

وبحسب المعلومات المتداولة شملت التوقيفات شخصيات من بينها ندى الغبرة ولمى الصواف، إلى جانب أسماء أخرى مثل رنا البابا، مديرة جمعية المبرة لكفالة الأيتام كما تم تداول أسماء شخصيات أخرى يُشتبه بارتباطها بالملف، من بينها وزيرتا الشؤون الاجتماعية السابقتان كندة الشماط وريما القادري، إضافة إلى مسؤولين إداريين في مؤسسات رعاية الأطفال.

غير أن المحامي مجد رجب، وكيل ندى الغبرة ولمى الصواف، أعلن لاحقاً أن موكّلتيه خضعتا للاستجواب وأُطلق سراحهما بعد انتهاء التحقيق الأولي وأوضح أن التحقيق في مراحله الأمنية والقضائية لم يثبت مسؤوليتهما الإدارية عن دخول الأطفال إلى المركز أو خروجهم منه، مؤكداً أن دورهما اقتصر على رعاية الأطفال المقيمين في الدار واعتبر أن قرار إطلاق السراح جاء نتيجة ما وصفه بـ"عدالة القضاء".

وكانت ظهرت قضية أخرى ساهمت في تعميق النقاش حول إدارة ملف دور الأيتام في المرحلة الانتقالية. فقد أثار قرار صادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بتعيين براءة الأيوبي، مديرة دار الرحمة للأيتام، عضواً في لجنة فنية مكلفة بإعداد مسودة قانون للأيتام انتقادات واسعة.

ويقول منتقدون إن الأيوبي خضعت سابقاً للتحقيق في ملف أطفال المعتقلين، كما ظهرت في مقابلات إعلامية تحدثت فيها عن استقبال أطفال من الأجهزة الأمنية خلال سنوات الثورة السورية.

ويرى ناشطون أن تعيين شخصية مرتبطة بالملف في لجنة تشريعية معنية بتنظيم قطاع الأيتام يطرح تساؤلات حول معايير اختيار أعضاء هذه اللجان، ويثير مخاوف من احتمال تضارب المصالح أو التأثير على مسار كشف الحقائق المرتبطة بالقضية في المقابل لم يصدر توضيح رسمي مفصل بشأن خلفيات القرار أو طبيعة الدور الذي ستؤديه اللجنة.

هذا وتشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أن عدد الأطفال الذين اختفوا بعد اعتقال ذويهم قد يتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف طفل وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أكثر من 4500 طفل ما يزالون في عداد المختفين قسراً، بينما تشير تقديرات حكومية إلى وجود ما يقارب 3700 طفل فُقدت آثارهم خلال السنوات الماضية.

في ضوء هذه الأرقام الضخمة، تحوّل ملف أطفال المعتقلين إلى أحد أكثر ملفات العدالة الانتقالية تعقيداً في سوريا فإلى جانب صعوبة تتبع الأطفال بعد تغيير أسمائهم وأنسابهم، تبرز تحديات أخرى تتعلق بضياع الوثائق الرسمية، وتقدم الأطفال في العمر، إضافة إلى احتمال خروج بعضهم من البلاد عبر عمليات تبنٍّ غير قانونية.

لهذا السبب يرى كثير من الناشطين أن الجدل الدائر حول ظهور شخصيات مرتبطة بدور الرعاية في مناسبات عامة يتجاوز البعد الإعلامي أو الاجتماعي، ليعكس صراعاً أوسع حول كيفية إدارة مرحلة ما بعد النظام البائد فبين من يدعو إلى الفصل بين المسؤوليات الفردية وبين الاتهامات العامة، ومن يطالب بتأجيل إعادة دمج هذه الشخصيات في الحياة العامة إلى حين استكمال التحقيقات، يبقى السؤال المركزي مطروحاً: كيف يمكن تحقيق العدالة وكشف الحقيقة في واحد من أكثر الملفات الإنسانية حساسية في تاريخ سوريا الحديث.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ