تحذير مبكر مع بداية الموسم.. الكمأة في البادية السورية بين "ذهب الصحراء" وحقول الموت
مع بداية موسم الكمأة في البادية السورية، تتجدد التحذيرات من المخاطر القاتلة التي تواجه المدنيين الباحثين عن هذا المحصول البري الثمين، والذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى ما يشبه “رحلة موت” بسبب انتشار الألغام ومخلفات الحرب في مناطق واسعة من البادية.
ويأتي ذلك في وقت يؤكد فيه ناشطون أن معظم مناطق انتشار الكمأة في سوريا ما تزال ملوثة بالألغام التي زرعتها قوات النظام البائد والميليشيات الإيرانية خلال سنوات الحرب، الأمر الذي يؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين كل عام مع بدء موسم البحث عنها.
وأفاد الصحفي الاستقصائي محمد الفضيل لشبكة شام الإخبارية أن معظم مناطق انتشار الكمأة في البادية السورية تقع ضمن مناطق خطرة ما تزال ملوثة بالألغام ومخلفات الحرب التي زرعتها قوات نظام الأسد البائد والميليشيات الإيرانية خلال سنوات الحرب محذراً من أن استمرار دخول المدنيين إلى هذه المناطق دون معرفة دقيقة بطبيعتها يشكل خطراً حقيقياً يؤدي إلى سقوط ضحايا كل عام مع بداية موسم جمع الكمأة.
وأوضح الفضيل أن العديد من المواقع التي تنمو فيها الكمأة تقع في محيط مدينة تدمر بريف حمص الشرقي، ومنها مناطق التليلة وأبو الفوارس والسكري والعباسية، وهي مناطق شهدت عمليات عسكرية مكثفة خلال سنوات الحرب، الأمر الذي أدى إلى انتشار واسع للألغام ومخلفات القصف فيها.
وأضاف أن هذه المناطق كانت لسنوات طويلة تحت سيطرة قوات النظام البائد والميليشيات الإيرانية والموالية لها، التي زرعت كميات كبيرة من الألغام حول الطرق والسهول الصحراوية، ما جعلها اليوم من أخطر المناطق في البادية السورية بالنسبة للرعاة والباحثين عن الكمأة.
وأشار الفضيل إلى أن عمق البادية السورية ينقسم عملياً إلى مناطق متفاوتة الخطورة، موضحاً أن بعض المناطق الواقعة ضمن نطاق منطقة الـ55 كيلومتراً التي كانت تحت سيطرة قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة تعد أكثر أماناً نسبياً مقارنة بالمناطق الأخرى، حيث تنتشر فيها الكمأة بكثرة في مواقع مثل الشعلانية والماهوبية والشعار ومحيط التنف ومناطق زركا ومهير وجليغم ويعود ذلك إلى أن هذه المناطق لم تشهد انتشاراً واسعاً للألغام خلال سنوات الحرب مقارنة بالمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام البائد والميليشيات المتحالفة معه.
في المقابل، أكد الفضيل أن المناطق الواقعة خارج هذا النطاق تعد شديدة الخطورة بسبب الانتشار الكثيف للألغام ومخلفات الحرب، خصوصاً في محيط منطقة الـ55 كيلومتراً، حيث تنتشر الألغام في مناطق الزكف والوعر والذويد وحمدة وفروع البادية السورية والهلبة والعليانية وغيرها من المواقع التي شهدت انتشاراً واسعاً للميليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني وتنظيم داعش وقوات النظام البائد خلال سنوات الحرب. وأضاف أن هذه الجهات زرعت حقول ألغام كبيرة في تلك المناطق لأغراض عسكرية خلال المعارك، لكن كثيراً منها بقي دون إزالة حتى اليوم.
وبيّن أن الألغام المنتشرة في البادية السورية متنوعة وخطيرة، وتشمل ألغاماً مضادة للأفراد وأخرى مضادة للدروع إضافة إلى ألغام موجهة، فضلاً عن نوع شديد الخطورة يعرف محلياً باسم لغم القفيز الذي ينفجر على ارتفاع وينشر شظايا قاتلة في محيط واسع كما تنتشر كميات كبيرة من القنابل العنقودية غير المنفجرة في بعض المناطق، وخاصة في محيط مدينة تدمر، ما يزيد من مخاطر التنقل في تلك المناطق المفتوحة.
تحذير مبكر مع بداية الموسم
مع اقتراب ذروة موسم الكمأة الذي يمتد عادة من منتصف كانون الثاني/يناير حتى نهاية آذار/مارس، حذّر ناشطون ومراقبون من تكرار سيناريو الضحايا السنوي في البادية السورية، داعين المدنيين إلى تجنب الدخول إلى المناطق الخطرة غير الممسوحة من الألغام.
ويؤكد خبراء أن الكمأة تظهر عادة بعد العواصف الرعدية والأمطار الغزيرة، ولذلك تُعرف في الثقافة الشعبية باسم “بنات الرعد”، فيما يسميها البعض “لحم الفقراء” نظراً لقيمتها الغذائية العالية وسعرها المرتفع مقارنة بظروف سكان البادية.
لكن في المقابل، تحوّل البحث عنها في السنوات الماضية إلى نشاط محفوف بالمخاطر، حيث ينتقل آلاف المدنيين والرعاة إلى البادية بحثاً عنها، في مناطق ما تزال مليئة بالألغام والقنابل غير المنفجرة.
لماذا يسقط ضحايا كل عام؟
يؤكد مختصون أن أسباب سقوط الضحايا خلال موسم الكمأة تتكرر سنوياً تقريباً، وتعود في مقدمتها إلى انتشار الألغام الأرضية ومخلفات الحرب في مساحات شاسعة من البادية السورية.
فالعديد من المناطق التي تنمو فيها الكمأة كانت خلال سنوات الحرب مناطق مواجهات عسكرية أو خطوط تماس بين قوات النظام البائد وتنظيم داعش والميليشيات الإيرانية، إضافة إلى مناطق شهدت عمليات قصف كثيف، الأمر الذي خلّف كميات كبيرة من الذخائر غير المنفجرة.
كما أن غياب عمليات إزالة الألغام بشكل واسع بعد انتهاء المعارك جعل هذه المناطق تشكل خطراً دائماً على المدنيين، وخاصة الرعاة وجامعي الكمأة الذين يضطرون إلى التنقل لمسافات طويلة في الصحراء بحثاً عن أماكن نموها.
إلى جانب الألغام، تواجه فرق جمع الكمأة مخاطر أخرى مثل الهجمات المسلحة أو السلب والنهب في المناطق النائية، إضافة إلى ضياع الأشخاص في البادية أو تعرضهم لحوادث بسبب الطبيعة الصحراوية القاسية.
مصادر الألغام في البادية السورية
تشير تقارير ميدانية إلى أن الألغام المنتشرة في البادية السورية تعود إلى عدة جهات شاركت في النزاع خلال السنوات الماضية، وتؤكد المصادر أن نظام الأسد البائد زرع كميات كبيرة من الألغام خلال عملياته العسكرية في البادية، خصوصاً حول المدن والطرق الاستراتيجية مثل تدمر والسخنة ومحيط دير الزور.
كما زرعت الميليشيات الإيرانية والميليشيات الموالية لها حقول ألغام واسعة لحماية مواقعها العسكرية، خاصة في المناطق الممتدة بين حمص ودير الزور، وفي المقابل، استخدم تنظيم داعش الألغام بكثافة خلال سيطرته على مناطق البادية، حيث اعتمد عليها كوسيلة دفاعية لإبطاء تقدم القوات المعادية.
وتشير تقارير ميدانية إلى انتشار أنواع متعددة من الألغام في المنطقة، بينها ألغام مضادة للأفراد وأخرى مضادة للدروع، إضافة إلى الألغام الموجهة، فضلاً عن نوع شديد الخطورة يعرف محلياً باسم “لغم القفيز”، والذي ينفجر على ارتفاع بعد إطلاق شحنة قاتلة من الشظايا، كما تنتشر القنابل العنقودية غير المنفجرة في بعض المناطق، وخاصة في محيط مدينة تدمر، ما يزيد من خطورة التنقل في هذه المناطق.
أين تنتشر الكمأة في سوريا؟
تنتشر الكمأة بشكل أساسي في البادية السورية التي تمتد على مساحة تقارب 75 ألف كيلومتر مربع، وتشمل أجزاء واسعة من محافظات حمص وحماة والرقة ودير الزور والحسكة، ويتركز وجودها في المناطق الصحراوية التي تتلقى أمطاراً شتوية جيدة، حيث تنمو تحت سطح التربة بالقرب من نباتات صحراوية صغيرة مثل نبات الرقروق أو الجريد، ويستدل عليها جامعوها عبر تشققات التربة أو ظهور هذه النباتات.
رغم المخاطر الكبيرة، لا يزال كثير من السكان يقصدون البادية بحثاً عن الكمأة بسبب قيمتها الاقتصادية العالية ويتراوح سعر الكيلوغرام الواحد في الأسواق المحلية بين 50 ألفاً و200 ألف ليرة سورية، وقد يصل إلى أكثر من ذلك بحسب الجودة والندرة.
وتوجد عدة أنواع من الكمأة السورية، أبرزها الزبيدي والحمرا والبيضاء والجبيه والهوبر، ويُعد الزبيدي من أغلى الأنواع، إذ قد يصل وزن الحبة الواحدة أحياناً إلى كيلوغرام كامل وتحظى الكمأة السورية بسمعة جيدة في الأسواق الخارجية، حيث يتم تصديرها إلى لبنان والعراق ودول الخليج وتركيا وبعض الدول الأوروبية عبر الشحن البري والجوي.
ورغم الأرباح المحتملة، تبقى المخاطر هي السمة الأبرز لموسم الكمأة في سوريا ففي كل عام تسجل عشرات الوفيات والإصابات نتيجة انفجار الألغام أو مخلفات الحرب أثناء البحث عنها في البادية وتشير تقارير حقوقية إلى أن بعض الأشهر من موسم الكمأة شهدت سقوط عشرات الضحايا في حوادث منفصلة، بينهم أطفال ورعاة ومزارعون، وهو ما يعكس حجم الخطر الذي يواجهه المدنيون في تلك المناطق.
دعوات لتوعية المدنيين وإزالة الألغام
يرى مختصون أن الحد من الضحايا يتطلب حملات توعية واسعة للسكان حول المناطق الخطرة، إضافة إلى إطلاق برامج واسعة لإزالة الألغام ومخلفات الحرب في البادية السورية، كما يدعو ناشطون إلى تحديد مناطق آمنة لجمع الكمأة والإعلان عنها بشكل واضح، لمنع المدنيين من التوجه إلى المناطق الملوثة بالألغام.
وفي ظل استمرار انتشار هذه المخلفات القاتلة، يبقى موسم الكمأة في سوريا مفارقة مؤلمة بين ثروة طبيعية ثمينة تمنح الأمل لكثير من الأسر الفقيرة، وخطر دائم يحصد الأرواح في صحراء ما تزال آثار الحرب محفورة في أرضها.
كما تتمتع الكمأة السورية بسمعة جيدة في الأسواق الخارجية، حيث يتم تصدير كميات منها إلى لبنان والعراق ودول الخليج وتركيا وبعض الدول الأوروبية عبر الشحن البري والجوي، وهو ما يزيد من قيمتها الاقتصادية ويشجع كثيراً من السكان على المخاطرة بحياتهم بحثاً عنها.
ويرى مختصون أن الحد من سقوط الضحايا يتطلب إطلاق حملات توعية واسعة لتحديد المناطق الخطرة وتحذير المدنيين من دخولها، إضافة إلى ضرورة تنفيذ برامج واسعة لإزالة الألغام ومخلفات الحرب المنتشرة في البادية السورية. وحتى تحقيق ذلك، يبقى موسم الكمأة في سوريا مفارقة مؤلمة تجمع بين ثروة طبيعية ثمينة تمنح الأمل لكثير من الأسر الفقيرة، وخطر دائم يهدد حياة الباحثين عنها في صحراء ما تزال تحمل آثار الحرب.