الصيد الجائر يهدد التوازن البيئي والأمن الغذائي في سوريا
لم يعد الصيد في سوريا مجرد نشاط ترفيهي موسمي يمارسه الهواة في البراري والأنهار، بل تحوّل في كثير من المناطق إلى ظاهرة متسعة تحمل تداعيات بيئية واقتصادية متزايدة، فمع انتشار صور ومقاطع الصيد على مواقع التواصل الاجتماعي، تتكشف ملامح استنزاف متصاعد للحياة البرية، يهدد التنوع الحيوي ويترك آثاراً مباشرة على التوازن البيئي والأمن الغذائي في البلاد.
تتبعت شبكة "شام" الإخبارية نشاط عدد كبير من المستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي الذين يوثقون رحلات الصيد وينشرون صوراً وفيديوهات لنتائجها ضمن مجموعات خاصة أو عامة لا سيما عبر موقع فيسبوك.
وتتنوع هذه المنشورات بين صيد الطيور البرية والحيوانات، إضافة إلى الأسماك في البحيرات والأنهار، حيث يتباهى بعض الصيادين بكميات الصيد أو بنوعية الحيوانات والطيور التي تم اصطيادها.
وتنتشر هذه الأنشطة في مناطق عدة من سوريا، من بينها غابات الفرلق في اللاذقية، وسيحة أبو ظهور في ريف إدلب، وجسر الشغور، ومنطقة الوعر في حمص، والغوطة بريف دمشق، وسهل الغاب في حماة، وعفرين في حلب، إضافة إلى مناطق أخرى تمتد على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية.
ولا تبدو هذه الظاهرة مجرد نشاط موسمي، بل ترتبط بإدارة مورد طبيعي يشكل جزءاً من رأس المال البيئي الوطني، ما يجعل تنظيمه ضرورة ملحّة للحفاظ على التوازن البيئي ومنع استنزاف الأنواع البرية ويؤدي هذا الواقع إلى تراجع أعداد الأنواع البرية وارتفاع خطر انقراض بعض الكائنات التي تعد جزءاً أساسياً من المنظومة البيئية.
ويشكل الصيد الجائر خطراً حقيقياً على الحياة البرية في سوريا، إذ تحولت الممارسات غير المنضبطة إلى ما يشبه الاعتداء الواسع على الحيوانات والطيور، وتشير مقاطع الفيديو المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى انتشار عمليات الصيد العشوائي والبيع غير المشروع لأنواع نادرة من الطيور والحيوانات، سواء بدافع التجارة أو بدافع الهواية.
تحذيرات خبراء البيئة
أكد الخبير البيئي "حسن مصطفى"، في تصريح لسانا أن تصاعد ظاهرة الصيد الجائر في سوريا يمثل خطراً حقيقياً على التنوع الحيوي والتوازن البيئي، وأوضح أن المقاطع التي تظهر عمليات صيد كثيفة وعشوائية تعكس تجاوزاً واضحاً للقوانين والأنظمة الناظمة للصيد، مشيراً إلى أن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى استنزاف أعداد الطيور والحيوانات البرية ويهدد بعض الأنواع المحلية بالانقراض.
ودعا إلى تشديد الرقابة الميدانية وتفعيل الضابطة الحراجية والبيئية وفرض عقوبات رادعة بحق المخالفين، إضافة إلى ضبط حيازة أسلحة الصيد ومنع الصيد خلال مواسم التكاثر والهجرة.
كما شدد على ضرورة تحديث القوانين البيئية ورفع قيمة الغرامات لتصبح رادعاً فعلياً، مؤكداً أن حماية الحياة البرية لا تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل تحتاج أيضاً إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على التنوع الحيوي.
بدوره، أوضح المدير العام للهيئة العامة لإدارة وحماية وتنمية البادية بيان العبد الله أن انتشار الصيد الجائر في سوريا يعود إلى عدة عوامل متداخلة، وتتمثل أبرز هذه العوامل في ضعف الوعي البيئي لدى بعض الصيادين والهواة، إضافة إلى الظروف التي خلفتها سنوات الحرب والكوارث الطبيعية، والتي أدت إلى تراجع قدرة المؤسسات على تطبيق القوانين البيئية بشكل كامل.
كما لعب تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر دوراً في دفع بعض الأفراد إلى الصيد كمصدر دخل إضافي، وأشار العبد الله إلى أن نتائج هذه الظاهرة خطيرة، إذ تؤدي إلى انخفاض أعداد الأنواع البرية المحلية والمهاجرة، مثل الغزلان والطيور النادرة، كما تدفع الحيوانات إلى الهجرة نحو مناطق أكثر أمناً أو الاختفاء من مواطنها الطبيعية.
ولفت إلى أن نحو 90 في المئة من الأنواع البرية في البادية السورية تضررت أو اختفت نتيجة الصيد الجائر خلال السنوات الماضية.
تداعيات بيئية وزراعية خطيرة
يحذر خبراء من أن الصيد الجائر لا يؤثر فقط في الحيوانات والطيور، بل يمتد تأثيره إلى المنظومة البيئية والزراعية بشكل عام وقال خبير الحياة البرية والتنوع الحيوي المهندس أحمد إيدك في تصريح لصحيفة الثورة السورية إن ما يجري في سوريا لم يعد مجرد صيد جائر، بل وصل إلى مستوى يشبه “الإبادة” للحياة البرية، نتيجة الصيد المستمر طوال العام وغياب المحاسبة الفعلية.
وأشار إلى أن انتشار أسلحة الصيد الرخيصة بين فئات واسعة من الشباب أدى إلى زيادة أعداد الصيادين، مؤكداً أن كثيرين يصطادون كل ما يصادفونه دون الالتزام بما يُعرف بأخلاقيات الصيد، كما حذر من استخدام وسائل مثل الشباك والدبق والفخاخ، التي تؤدي إلى قتل أعداد كبيرة من الطيور دون تمييز، وتهدد أنواعاً مهددة بالانقراض مثل طائر الحبارى.
من جهته، أوضح خبير البيئة "ماهر ديوب"، أن سوريا تقع على أحد أهم مسارات هجرة الطيور في العالم، حيث تمر عبرها أعداد كبيرة من الطيور المهاجرة خلال فصلي الربيع والخريف، وأشار إلى أن استخدام وسائل الصيد العشوائية مثل الأجهزة الصوتية والشباك غير المرئية يؤدي إلى قتل جماعي للطيور، بما في ذلك الأنواع النادرة.
وحذر ديوب من أن استهداف الطيور الجارحة والبوم يؤدي إلى خلل كبير في التوازن البيئي، لأنها تتغذى على القوارض والآفات الزراعية وتشكل جزءاً أساسياً من السلسلة الغذائية.
لا تقف آثار الصيد الجائر عند حدود البيئة، بل تمتد أيضاً إلى الأمن الغذائي فالباحث في الشؤون الزراعية عبد الرحمن قرنفلة أكد أن الطيور البرية تؤدي دوراً مهماً في حماية المحاصيل الزراعية من الحشرات والآفات.
وأوضح أن تراجع أعداد الطيور نتيجة الصيد المكثف يؤدي إلى زيادة انتشار الحشرات الضارة بالمحاصيل، ما يدفع المزارعين إلى استخدام كميات أكبر من المبيدات الكيميائية، كما تلعب الطيور دوراً مهماً في نشر البذور وتجدد الغطاء النباتي، ما يعني أن اختفاءها قد يؤثر في استدامة الموارد الزراعية مستقبلاً.
إجراءات حكومية للحد من الظاهرة
في مواجهة هذه التحديات، بدأت الجهات الحكومية باتخاذ خطوات للحد من الصيد الجائر وسط دعوات إلى تنظيم عمليات الصيد وتحديد الأعداد المسموح بها لكل صياد في الرحلة الواحدة، إضافة إلى تحديد الأنواع الممنوع صيدها.
ويعمل المجلس المركزي للصيد البري الذي يضم وزارات الزراعة والإدارة المحلية والبيئة والدفاع والداخلية والشؤون الاجتماعية واتحاد الفلاحين على تحديد الأنواع المهددة ومنع صيدها بناءً على دراسات علمية.
كما نفذت ضابطة حماية البادية بالتعاون مع القوى الأمنية حملات لمحاسبة المخالفين والحد من التعديات على الحياة البرية وفي السياق ذاته، أصدرت محافظة دير الزور تعميماً يقضي باتخاذ إجراءات قانونية بحق كل من يثبت تورطه في الصيد الجائر، بما يشمل السجن والغرامات المالية.
لم تقتصر الإجراءات على الصيد البري، إذ أعلنت الهيئة العامة للثروة السمكية تحديد فترة منع صيد الأسماك في المياه العذبة من 15 آذار حتى 31 أيار ويهدف هذا القرار إلى حماية الأسماك خلال موسم التكاثر وزيادة المخزون السمكي في الأنهار والبحيرات، بما يسهم في دعم الأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية.
ونفذت المديرية العامة للموانئ حملة ميدانية على الساحل السوري أسفرت عن ضبط 41 مركب صيد مخالف استخدمت وسائل محظورة مثل “الفرنازة” والتفجير بالديناميت، لما تسببه من أضرار جسيمة بالنظام البيئي البحري.
تمتلك سوريا تنوعاً جغرافياً واسعاً بين الجبال والسهول والأنهار والوديان، ما يجعلها بيئة طبيعية غنية بالحياة البرية والتنوع البيولوجي ولكن غياب الرقابة البيئية الفاعلة خلال سنوات الحرب ساهم في انتشار الصيد العشوائي، الأمر الذي دفع الجهات الحكومية والمنظمات البيئية إلى تكثيف الجهود لمعالجة هذه الظاهرة.
وفي ظل هذه التحديات، يرى خبراء أن حماية الحياة البرية لم تعد مجرد قضية بيئية، بل أصبحت جزءاً من حماية الموارد الطبيعية والأمن الغذائي للأجيال القادمة، وهو ما يتطلب تشريعات أكثر صرامة، ورقابة فعالة، ووعياً مجتمعياً يضمن استدامة هذا الإرث البيئي.