الذكرى الـ 14مجزرة كرم الزيتون بحمص.. مذبحة محفورة في ذاكرة السوريين
يُصادف شهر آذار الحالي ذكرى مجزرة كرم الزيتون في مدينة حمص التي تعد واحدة من أكثر الجرائم دموية ووحشية التي ارتُكبت بحق المدنيين السوريين خلال سنوات الثورة السورية، على يد ميليشيات نظام الأسد البائد.
وقد وقعت المجزرة عندما استهدفت قوات الجيش التابعة للنظام البائد مدعومة بميليشيات الشبيحة أحياء مدنية مكتظة بالسكان، ما أدى إلى مقتل مئات المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال، في عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية داخل المنازل.
وبعد سنوات طويلة ما تزال هذه المجزرة تمثل شاهداً دامغاً على حجم العنف الذي واجه به النظام آنذاك الحراك الشعبي، وعلى المأساة الإنسانية التي عاشها المدنيون في عدد كبير من المدن السورية، وفي مقدمتها مدينة حمص التي تحولت خلال تلك الفترة إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهة بين المتظاهرين وقوات النظام.
حمص في قلب المواجهة خلال بدايات الثورة
منذ الأشهر الأولى للثورة السورية عام 2011 برزت مدينة حمص كأحد أهم مراكز الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحرية والكرامة، الأمر الذي دفع قوات النظام إلى إطلاق حملات عسكرية واسعة استهدفت العديد من أحياء المدينة، ولا سيما الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
وخلال تلك الفترة تعرضت أحياء عدة في المدينة لحصار وقصف مكثف، من بينها كرم الزيتون والرفاعي والعدوية، حيث كان يعيش آلاف المدنيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب عمليات عسكرية استخدمت فيها المدفعية الثقيلة والدبابات، قبل أن تتبعها اقتحامات برية نفذتها مجموعات الشبيحة المدعومة من الجيش.
تطويق حي كرم الزيتون وبداية المجزرة
في صباح يوم الجمعة التاسع من آذار/مارس عام 2012 فرضت قوات النظام البائد طوقاً عسكرياً على حي كرم الزيتون في حمص، بمشاركة عناصر من الشبيحة قدموا من الأحياء المجاورة الموالية للنظام، وبحسب شهادات الناجين والتقارير الحقوقية، بدأت العملية العسكرية بقصف عنيف استهدف المنازل السكنية واستمر نحو ثماني عشرة ساعة متواصلة.
خلف القصف عشرات القتلى والجرحى بين المدنيين، فيما حاول العديد من الأهالي الفرار من الحي والبحث عن ملاذ آمن، إلا أن القصف طاردهم أثناء محاولات النزوح، ما أدى إلى مقتل اثنتين وعشرين امرأة وثلاثة عشر طفلاً خلال محاولتهم الهروب من المنطقة.
ولم يقتصر القصف على حي كرم الزيتون فحسب، بل امتد لاحقاً إلى الأحياء المجاورة، ولا سيما حي الرفاعي وحي العدوية، ما أدى إلى تفاقم الخسائر البشرية وزيادة حالة الذعر بين السكان المدنيين.
الاقتحام والإعدامات الميدانية
بعد القصف المكثف بدأت المرحلة الثانية من العملية العسكرية صباح الأحد الحادي عشر من آذار/مارس 2012، عندما اقتحمت مجموعات كبيرة من الشبيحة الحي تحت حماية الدبابات والمدرعات التابعة للجيش السوري.
وخلال الاقتحام ارتكبت القوات المهاجمة سلسلة من الجرائم بحق المدنيين، إذ جرى اقتحام المنازل وكسر الجدران الفاصلة بينها للوصول إلى العائلات المختبئة، ونُفذت إعدامات ميدانية بحق عشرات السكان، كما اعتُقل عدد من أبناء الحي، وسُجلت حالات اغتصاب بحق نساء وفتيات.
كما تحدث الناجون عن عمليات ذبح بالسكاكين بحق مدنيين داخل منازلهم، قبل أن يتم إطلاق النار من مسافات قريبة على رؤوس وصدور عدد من الضحايا للتأكد من وفاتهم، في مشاهد جسدت مستوى غير مسبوق من العنف.
صعوبة توثيق حجم الجريمة
عقب انسحاب القوات المهاجمة تمكن عدد محدود من النشطاء من دخول الحي، إلا أنهم لم يستطيعوا في البداية توثيق سوى جزء بسيط من حجم المجزرة، فقد كانت العديد من المنازل قد اقتُحمت عبر هدم الجدران بينها، الأمر الذي أدى إلى قتل عائلات كاملة داخل بيوتها دون أن يتمكن أحد من الوصول إليها في الوقت المناسب.
كما بقيت جثث عدد كبير من الضحايا داخل المنازل لفترة طويلة قبل اكتشافها، ما أدى إلى تحلل بعضها قبل التوثيق. واستغرق الأمر أسابيع طويلة من العمل الميداني وجمع الشهادات حتى تمكنت المنظمات الحقوقية من تكوين صورة أوضح لما جرى في تلك الأيام الدامية.
شهادة أم محمد… مأساة عائلة كاملة
من بين الشهادات الأكثر إيلاماً تلك التي روتها أم محمد، وهي إحدى الأمهات من حي كرم الزيتون، والتي فقدت خمسة عشر فرداً من أفراد عائلتها في المجزرة.
تقول أم محمد إنها كانت خارج مدينة حمص يوم وقوع المجزرة لاستلام مساعدات لعائلتها، وعندما حاولت العودة لاحقاً علمت بما حدث وعند وصولها إلى أحد المستشفيات العسكرية بحثاً عن جثث أفراد عائلتها واجهت معاملة قاسية من الضباط الذين منعوها في البداية من الدخول.
وتروي أنها تعرفت على جثث أبنائها وكناتها وأحفادها من خلال الصور التي عرضها الأمن الجنائي، قبل أن تتوجه لاحقاً إلى المستشفى العسكري حيث شاهدت مشهداً وصفته بأنه أشبه بمسلخ بلدي، إذ كانت مئات الجثث مكدسة في شاحنات كبيرة داخل باحة المستشفى، وبعضها موضوع داخل أكياس نايلون أو مقطع الأوصال.
كما تحدثت عن مشهد طفل رضيع ميت كان ملقى على الأرض داخل المستشفى، وعن الروائح الكريهة التي كانت تنبعث من الجثث المتراكمة، في صورة تختصر حجم المأساة التي عاشها أهالي الحي.
عائلات كاملة أُبيدت
لم تقتصر المجزرة على عائلة واحدة، بل طالت عدداً كبيراً من العائلات في الحي، حيث تحدث شهود عن قتل عشرات الأشخاص داخل منازلهم أو أمام مخازن ومحال تجارية في المنطقة.
كما وردت شهادات عن إحراق ناشط بعد سكب البنزين عليه، وعن إحراق امرأة مع أطفالها السبعة داخل منزلها كذلك قُتلت عائلات بأكملها بلغ عدد أفراد بعضها سبعة عشر أو ثمانية عشر شخصاً، ما جعل المجزرة واحدة من أكثر الجرائم الجماعية قسوة خلال تلك المرحلة.
شهادة أحد الناجين
يروي أحد سكان الحي الذين نجوا من المجزرة أنه كان داخل منزله مع زوجته وأطفاله الثلاثة عندما بدأ القصف على المسجد المجاور لمنزله. ويقول إنه وضع الفرش فوق أطفاله خوفاً من انهيار السقف عليهم بسبب القصف.
وبعد توقف القصف سمع أصوات إطلاق نار وصراخ نساء وبكاء أطفال في الحي، وعندما فتح باب شقته وجد عناصر مسلحين يوجهون بنادقهم نحوه ويطلبون هويته الشخصية، ويضيف أنه اكتشف لاحقاً أن عدداً من رجال الحي قد ذُبحوا داخل مطابخ منازلهم، في مشهد يعكس طبيعة الجرائم التي ارتُكبت في تلك الساعات.
حصيلة الضحايا
بعد أكثر من شهرين من العمل الميداني تمكنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان من توثيق مقتل مئتين وأربعة وعشرين شخصاً في مجزرة كرم الزيتون، بينهم أربعة وأربعون طفلاً وثمانٍ وأربعون امرأة، في عملية توثيق وصفتها الشبكة بأنها بالغة الصعوبة بسبب حجم الدمار وصعوبة الوصول إلى عدد من المنازل.
ردود الفعل على المجزرة
أثارت المجزرة موجة غضب واسعة داخل سوريا، حيث خرجت مظاهرات في عدة مناطق من محافظة حمص تنديداً بالجريمة وبالموقف الدولي الذي اكتفى ببيانات الشجب والاستنكار.
كما دعت لجان التنسيق المحلية إلى اعتبار يوم الثالث عشر من آذار/مارس عام 2012 يوم حداد عام في مختلف أنحاء البلاد، بينما أدان المجلس الوطني السوري المجزرة بشدة وطالب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف العنف.
ودعا رئيس المجلس آنذاك برهان غليون إلى محاكمة المسؤولين عن المجزرة أمام المحكمة الجنائية الدولية باعتبارهم مرتكبي جرائم حرب.
بعد أكثر من عقد على المجزرة أعلنت وزارة الداخلية بعد تحرير سوريا في الأول من تموز/يوليو عام 2025 توقيف أحد المتورطين في مجزرة كرم الزيتون، وهو المدعو حسن ضوا، وذلك خلال عملية أمنية جرت قبل محاولته الفرار خارج البلاد.
وأوضحت الوزارة أن التحقيقات تضمنت توثيق اعترافاته من مسرح الجريمة، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود ملاحقة مرتكبي الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين وتقديمهم إلى العدالة.
جريمة ضد الإنسانية في الذاكرة السورية
ترى منظمات حقوقية أن ما جرى في كرم الزيتون يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، نظراً للطابع المنهجي للقتل الجماعي واستهداف المدنيين، واستخدام أساليب شديدة الوحشية مثل الذبح والإعدام الميداني والحرق.
ومع مرور السنوات ما تزال هذه المجزرة حاضرة بقوة في الذاكرة السورية، ليس فقط باعتبارها واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها البلاد، بل أيضاً بوصفها شاهداً على معاناة آلاف العائلات التي فقدت أبناءها خلال تلك المرحلة الدامية من تاريخ سوريا.