الحفر العشوائي للآبار في درعا.. المياه تغور إلى أعماق 500 متر واستنزاف متسارع يهدد مصادر الشرب والزراعة
الحفر العشوائي للآبار في درعا.. المياه تغور إلى أعماق 500 متر واستنزاف متسارع يهدد مصادر الشرب والزراعة
● محليات ٩ مارس ٢٠٢٦

الحفر العشوائي للآبار في درعا.. المياه تغور إلى أعماق 500 متر واستنزاف متسارع يهدد مصادر الشرب والزراعة

تشهد محافظة درعا في جنوب سوريا تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة الحفر العشوائي للآبار خلال السنوات الأخيرة، في ظل تراجع الهطولات المطرية وتضرر البنية التحتية للمياه، ما دفع الأهالي والمزارعين إلى الاعتماد بشكل متزايد على المياه الجوفية لتأمين مياه الشرب وري الأراضي الزراعية.

وتشير تقارير محلية ودراسات مائية إلى أن التوسع غير المنظم في حفر الآبار أدى إلى استنزاف تدريجي للمخزون الجوفي في سهل حوران، أحد أهم الأحواض الزراعية في سوريا، الأمر الذي انعكس على انخفاض مناسيب المياه وجفاف عدد من الينابيع التي كانت تشكل مصادر رئيسية للمياه في المحافظة.

تضاعف عدد الآبار في المحافظة

تُظهر تقديرات منشورة أن عدد الآبار الارتوازية في محافظة درعا ارتفع بشكل كبير خلال السنوات الماضية، ليصل إلى نحو 25 ألف بئر حالياً، بعدما كان لا يتجاوز 8 آلاف بئر قبل عام 2011.

وتشير تقارير مائية إلى أن نسبة كبيرة من هذه الآبار حُفرت دون تراخيص رسمية، خصوصاً خلال سنوات الحرب التي شهدت ضعفاً في الرقابة على عمليات الحفر وانتشار حفارات تعمل بشكل غير نظامي في عدة مناطق من المحافظة.

ويتركز انتشار الآبار المخالفة في المناطق الزراعية، ولا سيما في سهل حوران وحوض اليرموك، حيث يعتمد المزارعون بشكل رئيسي على المياه الجوفية لري المحاصيل الزراعية.

المياه تغور في باطن الأرض

يعد تراجع منسوب المياه الجوفية أحد أبرز المؤشرات على تفاقم المشكلة في درعا.

وبحسب مختصين في الموارد المائية، كان الوصول إلى المياه في معظم مناطق المحافظة يتم سابقاً عبر آبار يتراوح عمقها بين 80 و120 متراً.

لكن مع التوسع في الحفر خلال السنوات الأخيرة، ارتفع عمق الآبار في كثير من المناطق إلى 250 و300 متر.

ويشير مختصون إلى أن بعض مناطق ريف درعا باتت تتطلب حفر آبار بعمق قد يتجاوز 500 متر للوصول إلى الطبقات المائية، وهو ما يعكس تراجع مستوى المياه الجوفية نتيجة الاستنزاف المستمر.

ويعني ذلك ارتفاع تكاليف استخراج المياه بشكل كبير، سواء من حيث تكاليف الحفر أو تشغيل المضخات، الأمر الذي ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج الزراعي في المحافظة.

جفاف ينابيع ومسطحات مائية

انعكس استنزاف المياه الجوفية على عدد من المصادر المائية الطبيعية في المحافظة، وتعد بحيرة المزيريب في ريف درعا الغربي من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ جفّت البحيرة بالكامل خلال السنوات الأخيرة بعد أن كانت تتغذى من نبع المزيريب وتشكل مورداً مائياً مهماً لبلدتي المزيريب واليادودة وأجزاء من مدينة درعا، إضافة إلى استخدامها كمصدر مائي في مشروع جر المياه نحو محافظة السويداء.

ويربط مختصون جفاف البحيرة بتراجع الهطولات المطرية خلال السنوات الماضية، إلى جانب التوسع في حفر الآبار الزراعية في محيطها، ما أدى إلى استنزاف الطبقات الجوفية التي كانت تغذي النبع والبحيرة.

كما جف نبع عيون العبد في منطقة العجمي بريف درعا الشمالي، وهو من أهم المصادر التي كانت تزود منطقة الجيدور بالمياه، بما فيها مدن وبلدات الشيخ مسكين وإنخل وجاسم ونمر والحارة والدلي والفقيع، حيث كان النبع يغذي نحو 100 ألف نسمة إضافة إلى ري مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

وشهدت مصادر مائية أخرى في ريف درعا الغربي تراجعاً في الغزارة، من بينها بحيرة زيزون وشلالات تل شهاب التي أصبحت تعاني من جفاف موسمي خلال فصل الصيف بعدما كانت تشكل مورداً مهماً للري والسياحة في المنطقة.

ويرى مختصون أن حفر الآبار بشكل عشوائي على خطوط تغذية الينابيع أدى إلى استنزاف الطبقات الحاملة للمياه وتحويل مساراتها الجوفية، ما تسبب في تراجع أو جفاف عدد من هذه المصادر الطبيعية.

تأثيرات مباشرة على الزراعة

تعتمد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في درعا على الري من الآبار الجوفية، ما يجعل أي انخفاض في منسوب المياه تهديداً مباشراً للنشاط الزراعي في المحافظة.

ومع زيادة أعماق الحفر، ارتفعت تكاليف استخراج المياه بشكل ملحوظ، إذ تتطلب الآبار العميقة مضخات أكثر قدرة وكميات أكبر من الوقود أو الكهرباء لتشغيلها.

كما أن حفر الآبار العميقة بات أكثر تكلفة، إذ تشير تقديرات إلى أن تكلفة حفر بئر بعمق يتجاوز 500 متر قد تصل إلى عشرة آلاف دولار أو أكثر، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على المزارعين.

أسباب تفاقم الظاهرة

يربط مختصون انتشار الحفر العشوائي للآبار في محافظة درعا بعدة عوامل متداخلة، أبرزها تراجع الهطولات المطرية خلال السنوات الأخيرة وتأثر المنطقة بموجات جفاف متكررة، إضافة إلى تضرر البنية التحتية لشبكات المياه ومشاريع الري خلال سنوات الحرب، ما دفع المزارعين إلى الاعتماد بشكل أكبر على المياه الجوفية لتأمين احتياجاتهم الزراعية.

كما أسهم ضعف الرقابة في بعض الفترات وانتشار حفارات تعمل دون تراخيص رسمية في توسع الظاهرة، إلى جانب التوسع الزراعي في سهل حوران وزيادة الطلب على المياه لري المحاصيل.

أصحاب الآبار المخالفة: «الزراعة تحتاج إلى المياه»

في المقابل، يبرر عدد من المزارعين وأصحاب الآبار في محافظة درعا لجوءهم إلى حفر آبار غير مرخصة بالحاجة إلى تأمين المياه لري محاصيلهم، في ظل تراجع مصادر المياه السطحية وضعف وصول شبكات الري إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

وتشير مقابلات منشورة مع مزارعين في وسائل إعلام محلية إلى أن كثيراً منهم اضطروا إلى حفر الآبار خلال السنوات الماضية بعد انخفاض إنتاج الينابيع أو انقطاع مياه الري في مناطقهم.

ويقول أحد المزارعين في مقابلة إعلامية إن «المزارع لم يكن أمامه خيار آخر، فالأرض تحتاج إلى المياه، وإذا لم نحفر بئراً لن نستطيع زراعة القمح أو الخضار».

ويضيف آخر أن تكلفة حفر الآبار العميقة باتت مرتفعة، إلا أن كثيراً من المزارعين يلجؤون إليها للحفاظ على مصدر رزقهم، خصوصاً مع تراجع الأمطار خلال السنوات الأخيرة.

ويرى بعض أصحاب الآبار أن المشكلة لا تتعلق فقط بالحفر المخالف، بل بغياب بدائل مائية مستقرة، مشيرين إلى أن تحسين شبكات الري وتنظيم توزيع المياه قد يخفف الحاجة إلى حفر آبار جديدة.

إجراءات حكومية لمحاولة ضبط الظاهرة
تؤكد الجهات المعنية في قطاع المياه أن الحفر العشوائي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الموارد المائية في محافظة درعا.

وتؤكد مديرية الموارد المائية في درعا أن الحفر العشوائي للآبار يشكل تهديداً مباشراً للمخزون الجوفي في المحافظة في ظل تزايد الضغوط على الموارد المائية وتراجع التغذية الطبيعية للأحواض الجوفية.

وفي إطار الإجراءات الحكومية للحد من الظاهرة، صادرت الضابطة المائية التابعة لمديرية الموارد المائية في محافظة درعا حفارتين للآبار في منطقتي المزيريب وبصرى الشام كانتا تعملان بشكل مخالف للقانون، وذلك تنفيذاً لتوجيهات وزارة الطاقة وتطبيقاً لأحكام قانون التشريع المائي رقم /31/ لعام 2025.

وذكرت المديرية أن الحفارتين ضُبطتا أثناء العمل دون ترخيص قانوني، قبل نقلهما إلى مرآب الحفارات التابع للمديرية لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.


وتأتي هذه الخطوة ضمن حملة مستمرة لضبط الحفر العشوائي ومنع الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية، في ظل الشح المائي المتزايد الذي تشهده المحافظة.

وفي السياق ذاته، عُقد اجتماع تنسيقي في محافظة درعا بتاريخ 28 كانون الأول الماضي بمشاركة ممثلين عن وزارة الطاقة والهيئة العامة للموارد المائية ومسؤولي قطاع المياه، بهدف وضع آليات مشتركة للحد من انتشار الحفر غير المرخص وتنظيم استثمار المياه الجوفية في المحافظة.

وأكدت الجهات المعنية أن ضبط المخالفات وإيقاف الحفر العشوائي يسهمان في تحقيق الاستقرار المائي وحماية المخزون الجوفي في محافظة درعا.

مخاطر متزايدة على الموارد المائية

يحذر مختصون في قطاع المياه من أن استمرار الحفر العشوائي للآبار دون تنظيم قد يؤدي إلى تعميق أزمة المياه في محافظة درعا خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار فترات الجفاف وتزايد الطلب على المياه، ولا سيما في القطاع الزراعي الذي يعتمد بشكل كبير على المصادر الجوفية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يرى مختصون أن الحد من استنزاف المياه الجوفية يتطلب تشديد الرقابة على عمليات حفر الآبار وتنظيم استثمار الموارد المائية، إلى جانب اعتماد سياسات أكثر كفاءة في إدارة المياه بما يضمن الحفاظ على المخزون الجوفي الذي يمثل المصدر الأساسي للمياه في المحافظة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ