الأسماء المستعارة "الحركية" في الثورة السورية .. حكاية أمن وخوف ومسؤولية
دفعت الظروف الأمنية المعقدة في سوريا في عهد نظام الأسد، الكثير من النشطاء والفعاليات الثورية في بدايات الحراك الشعبي عام 2011 إلى استخدام الأسماء الحركية أو المستعارة، وذلك تجنباً للملاحقة الأمنية من قبل أجهزته الأمنية، التي كانت تستهدف كل من يشارك في أي نشاط مرتبط بالثورة، سواء عبر الاعتقال المباشر وزجّهم في السجون، أو من خلال ملاحقة أقاربهم والضغط عليهم بهدف التضييق عليهم وإجبارهم على التوقف عن نشاطهم.
ومع اقتراب الذكرى السنوية الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي السوري من نشطاء وفعاليات الحراك، سؤال عن الأسماء التي استخدموها خلال سنوات الثورة الأولى والتي ارتبطت بهم ولاصقتهم طيلة سنوات مضت، عرفوا بها ومنهم لايزال يستخدمها حتى اليوم لما تركت من أثر وبصمة وحضور كبير في الوسط الثوري.
الأسماء الحركية أدات للتمويه والاختفاء، اعتمدها الكثير من السوريين من نشطاء وفعاليات أهلية وعسكرية بدلاً من أسمائهم الحقيقية، لتكون وسيلة تتيح لهم العمل والتواصل دون الكشف عن هويتهم الفعلية.
كما لجأ إليها ناشطون وكتاب وصحفيون، فاستخدموها في الكتابة والنشر والمشاركة في الأنشطة السياسية والإعلامية، الأمر الذي أتاح لهم التعبير عن آرائهم ونقل الأحداث بقدر أكبر من الحرية والأمان، دون تعريض أنفسهم أو عائلاتهم لمخاطر الملاحقة.
وتعليقاً على السؤال الرائج، كتب الصحفي والكاتب السوري ماجد عبد النور عبر حسابه الخاص في منصة إكس (تويتر) سابقاً، إن اسمه الحقيقي عبدالرزاق طحان، مشيراً إلى أنه أحب اسم "ماجد" لما له من تاريخ طويل لازمه في أجمل مواقف العمر، وسيبقيه معه للأبد.
وقال الصحفي عمر الحريري من خلال تغريدة عبر حسابه في منصة إكس: عبد الله - كلنا شهداء حوران على غرف السكايب 2011-2012، ثم عبد الرحمن الحوراني الناطق باسم شبكة شام عند المداخلات للمحطات 2013-2014، ثم أبو عبد الله الحوراني بين 2015-2018 بعد ما توقفت عن المداخلات، غيرت لاسمي الحقيقي عمر الحريري بعد أن تمكنا من إخراج أخي أبو يزن من المعتقل بفدية مالية عام 2018".
وكتب فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أنه استخدم اسم "علي حسن" كاسم حركي، وهو نفسه الناطق الإعلامي باسم شبكة شام، وأوضح أنه بعد تأسيس شبكة شام وبدء إرسال الأخبار والصور والفيديوهات لمختلف وكالات الأنباء ووسائل الإعلام، ناقش مع أبو الحسن وأبو عبدو ضرورة وجود ناطق إعلامي يعلق على المحتوى المنشور.
وأشار إلى أن الأخبار كانت تأتي مباشرة من الميدان، بينما قامت المحطات ووسائل الإعلام العربية والدولية بتغطية موسعة للأحداث في سوريا، ولفت إلى أنه كان هناك تهديد حقيقي في حال اتصال وسائل الإعلام مع ناشط من داخل سوريا، إذ وثقوا خلال الأسابيع الأولى مقتل واختفاء قرابة 12 ناشطاً على هذه الخلفية تحديداً، لأن أجهزة الاتصال الفضائي لم تكن متوفرة بعد في سوريا.
كما ذكرت الصحفية حبيبة العمري، من خلال منشور عبر صفحتها في موقع فيسبوك، إنها منذ بداية الثورة، حين التحقت بالعمل الإعلامي في مدينة دوما، كانت تصوّر الأحداث والشهداء في المستشفيات الميدانية وترفع الصور على صفحات المكاتب الإعلامية التي تعمل بها، يومها كانت تكتب اسم "حبيبة" على صورها التي تلتقطها.
وأضافت أن هذا الاسم، قبل الثورة، كانت تخبئه لابنتها المستقبلية، ويعود إلى حبها لأم حبيبة زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأخت سيدنا معاوية بن أبي سفيان، فمنذ بدايات الوعي تعلقت بالبيت الأموي كأصل لها، وعبرت عن هذا باختيار اسم "حبيبة" لابنتها.
ومع أول فيديو أرادت تسجيله باسمها في الثورة، طُلب منها اختيار اسم حركي، فلم تتردد باختيار "حبيبة"، أما اللقب فاختارت "العمري" نسبةً لسيدنا عمر رضي الله عنه وللمسجد العمري الذي انطلقت منه الثورة في درعا، بينما اسمها الحقيقي "باسمة" وُلدت به وتحبه، ولكنه لا يعكس في نفسها ذلك الانتماء الثوري الذي تتشرف وتفتخر به.
ويذكر أن اعتماد الناشطين والكتاب والصحفيين على الأسماء الحركية خلال الثورة السورية مدفوعاً بشكل رئيسي بالحماية الأمنية، إذ كان نظام الأسد يعتقل المعارضين ويلاحقهم قضائياً وأمنياً، ما جعل استخدام اسم مستعار وسيلة لتجنب الاعتقال وحماية حياتهم.
كما ساعد هذا الأسلوب في حماية عائلاتهم من التعرض لأي مخاطر قد تنجم عن نشاطهم السياسي أو الإعلامي، إلى جانب تمكينهم من مواصلة العمل الإعلامي والكتابي والتأثير على الرأي العام دون كشف هويتهم الحقيقية.
وتعددت العوامل التي حددت اختيار الناشطين لأسمائهم، إذ لجأ البعض إلى أسماء رمزية مرتبطة بالتراث أو التاريخ أو الدين، بينما اختار آخرون أسماء سهلة التذكر والنطق أو محايدة لا تكشف عن هويتهم الحقيقية.
وفي بعض الحالات عكس الاسم شخصية الناشط أو موقفه الفكري، إلا أن اختيار اسم الحركة لم يكن عشوائياً، بل ارتكز على الجمع بين الحماية الأمنية وضمان سهولة الاستخدام، إلى جانب الرمزية الشخصية والفكرية التي يحملها الاسم.
واستمرت بعض الأسماء الحركية لسنوات طويلة، حتى أن الجمهور والمجتمع ربطوها بصاحبها، وأصبحت جزءاً من هويته الرمزية، حتى أنه في بعض الحالات، اكتسب الاسم المستعار شهرة أكبر من الاسم الحقيقي، وما زال الناس حتى اليوم ينادون صاحب الاسم الحركي به بدلاً من اسمه الفعلي، مما يعكس قوة التأثير الذي تركته هذه الأسماء على المجتمع وعلى الهوية الرمزية للناشطين والصحفيين.