اعتقال "جوان سرحان" العائد من هولندا يثير تفاعلاً ورفضاً للانتهاكات في مناطق "قسد"
أثارت قضية اعتقال عناصر قوات سوريا الديمقراطية "قسد" للشاب "جوان سرحان محمود" في مدينة القامشلي عقب عودته من هولندا، موجة واسعة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط مطالب متزايدة بالكشف عن مصير المعتقلين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
وفي يوم الأربعاء 11 آذار/مارس 2026، ناشدت يسرى علي، والدة الشاب جوان سرحان محمود، الجهات المعنية الكشف عن مصير ابنها الذي اعتُقل بعد عودته من أوروبا إلى القامشلي مطلع عام 2025.
وبحسب رواية الأم، كان جوان يقيم في هولندا منذ نحو ثمانية أعوام، قبل أن يغادر المنزل في أواخر عام 2024 متوجهاً إلى سوريا عبر مطار فرانكفورت، ثم دخل إلى الأراضي السورية عبر معبر سيمالكا ليصل إلى القامشلي في السادس من كانون الثاني/يناير 2025.
وأضافت أن ابنها لم يمكث سوى ساعات قليلة في منزل خاله في حي المحطة القديمة بالقامشلي، قبل أن تداهم دورية مسلحة تابعة لقوى الأمن الداخلي "الأسايش" المنزل في 13 كانون الثاني/يناير 2025 وتقتاده بالقوة، لينقطع الاتصال به منذ ذلك الحين دون أن تحصل العائلة على أي معلومات رسمية حول مصيره أو مكان احتجازه.
وأكدت الأم أن ابنها من مواليد 16 كانون الأول/ديسمبر 2000، وكان طالباً متفوقاً في دراسته، وقد حصل على قبول في الكلية الجوية في هولندا وكان من المقرر أن يلتحق بها في تموز/يوليو 2025، كما كان يحمل إقامة دائمة في هولندا وتقدم بطلب للحصول على الجنسية قبل أن يغادر البلاد.
وفي شهادتها حول ملابسات عودته إلى سوريا، قالت الأم إن ابنها عاد بدافع قومي ووطني، حيث قرر الالتحاق بصفوف قوات سوريا الديمقراطية بعد تواصل مع أحد المكاتب التابعة لها في أوروبا والتي تشجع الشباب الكرد على العودة والتطوع.
غير أنها أوضحت أن ابنها لم يكن يعلم -بحسب قولها- أن أحد الأشخاص المرتبطين بتلك المكاتب قد كتب بحقه تقريراً كيدياً بسبب خلاف مالي، وهو ما اعتبرته سبباً محتملاً لاعتقاله فور وصوله إلى القامشلي.
وأضافت أن ابنها "لم يأتِ إلى سوريا لسبب شخصي أو مصلحة خاصة، بل جاء بدافع الحماسة الشبابية والاعتقاد بأنه يخدم قضية قومية"، مؤكدة أن ما حدث له شكل صدمة كبيرة للعائلة.
كما كشفت الأم أنها حاولت خلال الأشهر الماضية التواصل مع عدد من المحامين والحقوقيين في القامشلي لمعرفة مكان احتجاز ابنها ومتابعة قضيته قانونياً، لكنها واجهت صعوبات كبيرة.
وقالت إنها تعرضت لمحاولات ابتزاز مالي من قبل بعض الأشخاص الذين وصفوا أنفسهم بأنهم على صلة بدوائر القضاء أو الجهات الأمنية، حيث طلبوا مبالغ مالية كبيرة مقابل مساعدتها في الإفراج عن ابنها أو الحصول على معلومات عنه، دون أن يؤدي ذلك إلى أي نتيجة.
وأضافت أن هذه التجربة جعلتها تشعر بأن بعض الجهات تتعامل مع القضية "وكأنها تجارة أو وسيلة للابتزاز"، مشيرة إلى أنها تواصلت أيضاً مع شخصيات سياسية كردية لشرح ملابسات القضية.
وذكرت أنها أرسلت رسالة تفصيلية إلى رئيس المجلس الوطني الكردي محمد إسماعيل، وكذلك إلى قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، شرحت فيها التسلسل الكامل للأحداث منذ مغادرة ابنها أوروبا وحتى لحظة اعتقاله في القامشلي.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها العائلة عبر محامين وناشطين، فإن جوان محمود محتجز في سجن "علايا" في القامشلي، غير أن الجهات الأمنية التابعة لقسد لم تقدم أي توضيح رسمي حول سبب احتجازه أو وضعه القانوني.
كما أشارت إلى معلومات تفيد بأن ملفه قد أُحيل إلى ما يسمى "محكمة حماية الشعب" مع عشرات المعتقلين الآخرين ضمن إجراءات قد تتعلق بالإفراج عن بعض المحتجزين في إطار خطة أعلنت عنها قيادة قوات سوريا الديمقراطية لمعالجة ملف السجون.
وتزامناً مع قضية جوان محمود، تصاعد الجدل أيضاً بعد وفاة الشاب علاء عدنان الأمين أثناء احتجازه لدى جهة أمنية تابعة للإدارة الذاتية في القامشلي وكان الأمين، الذي يحمل الجنسية السويدية ويقيم في السويد منذ أكثر من عقد، قد عاد إلى سوريا لزيارة عائلته والاستعداد لزفافه، قبل أن يتم اعتقاله بعد مداهمة منزل العائلة ليلاً من قبل عناصر أمنية قاموا بتقييد يديه واقتياده دون توضيح أسباب الاعتقال.
وفي الثامن من آذار/مارس 2026 تلقت عائلته اتصالاً يطلب منها التوجه إلى مدينة الحسكة لاستلام جثمانه من المشفى الوطني، حيث أفاد أفراد العائلة بوجود آثار إصابات وكدمات وكسور على الجثمان، ما أثار شكوكاً حول وفاته تحت التعذيب.
لاحقاً، أقر قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بوفاة الأمين أثناء احتجازه لدى جهة أمنية تابعة للإدارة الذاتية، معلناً تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الحادثة والتعهد بمحاسبة المسؤولين بعد انتهاء التحقيق.
لكن القضية أثارت مزيداً من الجدل بعد تعرض خيمة العزاء التي أقيمت للشاب في القامشلي لهجوم وإحراق أثناء وجود المعزين، في حادثة اعتبرها ناشطون محاولة لترهيب العائلة ومنعها من الاستمرار في المطالبة بكشف الحقيقة.
من جهتها، أدانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وفاة علاء الأمين، مؤكدة أن المعلومات التي وثقتها تشير إلى أنه توفي نتيجة التعذيب بعد أشهر من احتجازه دون توجيه تهمة قانونية أو السماح لعائلته بمعرفة مكان وجوده.
كما أشارت الشبكة إلى أن اعتقاله تم عقب مداهمة منزل عائلته دون مذكرة قانونية، معتبرة أن ما جرى يندرج ضمن حالات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.
وطالبت الشبكة بفتح تحقيق شفاف ومستقل للكشف عن ظروف الوفاة، وتمكين العائلة من الاطلاع على تقارير الطب الشرعي وإجراء فحص مستقل للجثمان، إضافة إلى اتخاذ إجراءات لمنع تكرار مثل هذه الحوادث داخل أماكن الاحتجاز.
وتعيد هذه القضايا تسليط الضوء على أوضاع المعتقلين في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وسط مخاوف حقوقية من استمرار حالات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.
وبحسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 123 شخصاً نتيجة التعذيب وسوء المعاملة على يد قوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2012 وحتى آذار/مارس 2026، وفي ظل استمرار الغموض حول مصير جوان محمود وتداعيات قضية علاء الأمين، تتزايد الدعوات لفتح تحقيقات شفافة والكشف عن مصير المحتجزين وضمان احترام حقوق الإنسان داخل أماكن الاحتجاز.