اتهامات لفيلم "خفايا حراك دمشق" بتزوير ذاكرة الثورة وتهميش الأحياء المنكوبة
أثار الفيلم الوثائقي المعنون "خفايا حراك دمشق"، والذي عُرض مؤخراً في دار الأوبرا بدمشق تحت عنوان توثيق بدايات الحراك الثوري في العاصمة، موجة اعتراض واسعة بين نشطاء وأبناء أحياء جنوب دمشق، على خلفية ما وصفوه بـ"السردية الانتقائية" التي قدّمها العمل، وتجاهله المتعمّد أو غير المهني لأدوار أحياء شكّلت جزءاً أساسياً من الثورة السورية منذ انطلاقتها.
وفي هذا السياق، قال أمين الرفاعي مدير المكتب الإعلامي في حي القدم في تصريح لشبكة شام الإخبارية، إن الإشكالية الأساسية لا تكمن في فكرة توثيق الحراك بحد ذاتها، بل في الجهة التي تصدّت لرواية تاريخ دمشق الثوري دون امتلاك تمثيل حقيقي لكل الأحياء.
وأوضح أن المجموعة التي تولّت العمل كانت تضم ما يُعرف بـ"تنسيقيات دمشق"، إلا أن معظم الأسماء الموجودة فيها غير معروفة بالنسبة لغالبية الناشطين الفاعلين في الداخل، وبعضهم خارج البلاد منذ سنوات، الأمر الذي جعلها بحسب وصفه تطرح نفسها ممثلاً عاماً للعاصمة دون أن تكون كذلك فعلياً.
وأشار الرفاعي إلى أن الاعتراض ليس على إبراز أحياء مثل الميدان أو كفرسوسة أو غيرها، فهذه المناطق، تضم ثواراً ومجاهدين قدّموا التضحيات، لكن المشكلة تظهر حين يتم تعويم هذه المناطق وحدها بوصفها مركز الثورة الدمشقية، مقابل تغييب أحياء أخرى دفعت ثمناً أكبر على صعيد الدمار والتهجير والضحايا.
وأضاف أن حي القدم وحده كان يضم قرابة مئة ألف نسمة قبل الثورة، وتعرض لدمار واسع وتهجير شبه كامل، ولم يبق فيه سوى أعداد قليلة جداً من السكان، كما أن الحال ذاته ينطبق على العسالي والتضامن ومخيم اليرموك ومناطق جنوب دمشق الأخرى، معتبراً أن تجاهل هذه المناطق في فيلم يدّعي كشف "خفايا الحراك" يعني عملياً نسف جزء كبير من ذاكرة دمشق الثورية.
وبيّن الرفاعي أن القائمين على العمل لم يتواصلوا مع ممثلين عن حي القدم أو أبناء جنوب دمشق لجمع شهاداتهم أو إشراكهم في صناعة الرواية، مؤكداً أن الدعوات التي وُجهت لحضور العرض جاءت لاحقاً دون أن يكون هناك أي علم مسبق بتفاصيل الفيلم أو محتواه.
وذكر أن عدداً من الحاضرين من أبناء المناطق المهمّشة غادروا القاعة قبل انتهاء العرض تعبيراً عن استيائهم، بعدما فوجئوا بأن الفيلم الممتد لساعات انحصر في ثلاث مناطق فقط، مع حضور عدة شخصيات من الحي ذاته، في حين غابت شهادات أحياء كاملة كانت في صلب المواجهة مع قوات النظام.
ولفت إلى أن المشكلة لم تقف عند حدود التمثيل الجغرافي، بل شملت أيضاً طريقة السرد نفسها، إذ انشغل الفيلم – بحسب قوله – بتفاصيل شخصية تخص المتحدثين أكثر من تقديم سردية عامة وشاملة لمسار الثورة في مختلف أحياء دمشق، ما جعله أقرب إلى "رواية أفراد" منه إلى عمل توثيقي جامع يحفظ الذاكرة الجمعية.
هذا الموقف انسجم مع بيان صادر عن نشطاء من جنوب دمشق، أكدوا فيه أن أحياء القدم والعسالي والتضامن ومخيم اليرموك وغيرها شكّلت أحد الأعمدة الرئيسية للحراك السلمي منذ أيامه الأولى، وكانت في طليعة المظاهرات والفعاليات المدنية، وقدمت أعداداً كبيرة من الشهداء والمعتقلين، فضلاً عن تعرضها لحصار خانق ودمار طال بنيتها التحتية ونسيجها الاجتماعي.
واعتبر البيان أن تغييب هذا الدور لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد إغفال عابر، بل هو خلل جوهري يؤدي إلى تشويه الرواية التاريخية بدلاً من إنصافها كما صدر بيان توضيحي آخر شدد على أن الفيلم اختزل ثورة العاصمة ضمن أحياء محددة، وأغفل أدوار مناطق ثائرة مثل جوبر والقابون وبرزة ومخيم اليرموك والتضامن والقدم، إضافة إلى وقوع خلل في التسلسل الزمني وخلط في تواريخ الأحداث والمظاهرات، ما أفقد العمل دقته التوثيقية وحوّله إلى رواية ناقصة لا تعكس حقيقة ما جرى.
وطالب الموقعون على البيانين بضرورة إعادة النظر في العمل بشكل كامل، سواء من خلال تعديل اسم الفيلم لأنه لم يعد معبّراً عن حراك دمشق بكل مكوناته، أو عبر إعادة إنتاجه بصورة موسعة تشمل شهادات من جميع الأحياء الثائرة، وتحديداً المناطق المدمرة والمهجرة التي رافقت الثورة منذ انطلاقتها حتى التهجير القسري.
وبحسب البيان التوضيحي الصادر عن نشطاء الأحياء الثائرة، فإن التهميش لم يقتصر على جنوب دمشق فقط، بل شمل أيضاً أحياء جوبر والقابون وبرزة، التي كانت في مقدمة المناطق الثائرة وشهدت مظاهرات واسعة واقتحامات عسكرية ودماراً واسعاً، ما يجعل تغييبها عن فيلم يوثّق حراك العاصمة تشويهاً مباشراً للرواية التاريخية وإجحافاً بحق تضحيات أهلها.
وأوضح البيان أن الفيلم اختزل ثورة دمشق ضمن مساحة جغرافية ضيقة، متغافلاً عن الدور المحوري لأحياء جوبر، القابون، برزة، القدم، العسالي، التضامن، ومخيم اليرموك، وهي الأحياء التي شكّلت معاً الخريطة الأبرز للحراك الثوري الدمشقي، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مناطق منكوبة بفعل القصف والحصار والتهجير.
وفي ختام تصريحه لشبكة شام، شدد الرفاعي على أن توثيق الثورة السورية ليس مساحة لتسجيل بطولات حي على حساب آخر، بل هو أمانة وطنية وأخلاقية تقتضي إنصاف الجميع، مؤكداً أن أي سردية تستثني جنوب دمشق أو تختزل العاصمة في بضعة أحياء فقط، إنما تكتب تاريخاً مبتوراً لا يشبه الحقيقة التي عاشها السوريون.
ويطالب أبناء جنوب دمشق اليوم بأن تكون رواية دمشق الثورية رواية جامعة لا تُبنى على الانتقائية، بل على الاعتراف بأن كل حي مدمر ومهجّر وكل شهيد ومعتقل كان شريكاً في صناعة هذا التاريخ.
ووفق القائمين عليه يستعرض الفيلم مسار الحراك في العاصمة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2013، مقدماً معالجة سردية تعتمد على المزج بين الشهادات المباشرة والمواد الأرشيفية المصورة، بما يتيح بناء صورة متكاملة لتفاصيل الأحداث وتطوراتها في سياقها الزمني والاجتماعي والسياسي.
ويوثق العمل بدايات تشكل الحراك داخل الأحياء الدمشقية، وانطلاق التظاهرات الأولى، إلى جانب إبراز دور التنسيقيات والناشطين في تنظيم التحركات، وكيف تطورت أشكال التعبير الميداني مع تصاعد الأحداث واتساع رقعتها داخل المدينة.
ويتناول الفيلم أساليب احتجاج متعددة اعتمدها المشاركون لنقل رسائلهم، شملت وسائل رمزية ومبتكرة للتواصل والتعبير، إضافة إلى مشاهد توثق لحظات مفصلية من المواجهات والتجمعات الشعبية في عدد من المناطق، بما يعكس تنوع أدوات الحراك في تلك المرحلة.
ويعتمد العمل على مقابلات مع عدد من المشاركين في الحراك، مع إخضاع المواد الأرشيفية لعملية تدقيق ومراجعة، إضافة إلى استخدام تقنيات حديثة في المعالجة البصرية لإعادة بناء بعض المشاهد، بما يهدف إلى تقديم رواية توثيقية أقرب إلى التسلسل الدقيق للأحداث.
ويطرح الفيلم رؤية تقوم على إعادة قراءة الذاكرة الجمعية للعاصمة، عبر توثيق الشهادات وتثبيت الوقائع بصيغة بصرية، في محاولة لفتح نقاش أوسع حول أهمية الأرشفة التاريخية للمرحلة، ودور الصورة في حفظ تفاصيلها للأجيال القادمة.