مجلس الشعب يعقد أولى جلساته بعد سقوط نظام الأسد البائد.. انطلاق مرحلة تشريعية جديدة لترسيخ مؤسسات الدولة
تشهد سوريا اليوم محطة دستورية جديدة مع انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، في أول دورة للمجلس بعد سقوط نظام الأسد البائد، إيذاناً بانتقال المؤسسة التشريعية من مرحلة التشكيل إلى مباشرة مهامها الدستورية، ضمن مسار استكمال بناء مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية.
بدأ أعضاء المجلس بالتوافد إلى مقر مجلس الشعب في دمشق منذ ساعات الصباح، استعداداً لانعقاد الجلسة الافتتاحية التي تتضمن أداء القسم الدستوري، وانتخاب هيئة رئاسة المجلس، بحضور الرئيس أحمد الشرع، تمهيداً لانطلاق أعماله التشريعية والرقابية، باعتباره السلطة التشريعية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري.
اكتمال المؤسسة التشريعية
جاء انعقاد الجلسة الأولى بعد اكتمال تشكيل المجلس بإعلان أسماء الأعضاء المنتخبين، إلى جانب صدور مرسوم الرئيس أحمد الشرع بتسمية الثلث المكمّل للمجلس، وفق الصلاحيات المنصوص عليها في الإعلان الدستوري والنظام الانتخابي المؤقت، لتكتمل بذلك تشكيلة المجلس المؤلفة من 210 أعضاء.
وكان أكد رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد، لدى إعلان النتائج النهائية، أن استكمال تشكيل المجلس يمثل محطة وطنية تستحضر تضحيات السوريين خلال سنوات الحرب في سوريا، وتكرّس مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن التشكيلة تضم شخصيات تمثل مختلف مكونات المجتمع السوري، من ذوي الشهداء، والناجين من المعتقلات والهجمات الكيميائية، إلى جانب أكاديميين وخبراء وأصحاب كفاءات، بما يعزز قدرة المجلس على أداء مسؤولياته الوطنية.
سلطة تشريعية بمهام تأسيسية
يتولى مجلس الشعب خلال المرحلة الانتقالية مسؤوليات تتجاوز الدور التشريعي التقليدي، إذ يشكل إحدى الركائز الأساسية في استكمال بناء الدولة، من خلال سن التشريعات، وممارسة الرقابة على الأداء العام، واستكمال المنظومة القانونية بما ينسجم مع الإعلان الدستوري، ويسهم في ترسيخ الاستقرار المؤسسي.
ينتقل المجلس، بانعقاد جلسته الأولى، من مرحلة التأسيس إلى مرحلة العمل الفعلي، عبر انتخاب هيئة رئاسته، وتشكيل لجانه، ومباشرة مناقشة مشاريع القوانين، ومتابعة أداء المؤسسات العامة، بما يعزز التكامل بين السلطات الدستورية في هذه المرحلة.
تمثيل وطني يعكس تنوع المجتمع
استندت آلية تشكيل المجلس إلى النظام الانتخابي المؤقت الذي نص على انتخاب ثلثي الأعضاء عبر الهيئات الناخبة، مع استكمال الثلث الأخير بمرسوم رئاسي، بهدف تعزيز التمثيل الوطني والاستفادة من الخبرات والكفاءات خلال المرحلة الانتقالية.
ضمت التشكيلة شخصيات أكاديمية وقانونية واقتصادية واجتماعية، إلى جانب تمثيل النساء، وذوي الشهداء، وجرحى الحرب، والناجين من المعتقلات، وضحايا الهجمات الكيميائية، بما يعكس تنوع المجتمع السوري، ويؤكد أن المجلس يمثل مختلف مكونات البلاد بعيداً عن أي اعتبارات مناطقية أو طائفية.
مسؤولية تتجاوز المنافسة على المواقع
تفرض المرحلة الانتقالية على أعضاء المجلس مسؤولية تأسيسية تختلف عن التجارب البرلمانية التقليدية، إذ تتمثل المهمة الأساسية في ترسيخ الشرعية الدستورية، وإرساء الأطر القانونية، وتعزيز الرقابة بروح المسؤولية الوطنية، بعيداً عن منطق المغالبة أو التنافس على المواقع.
تشير التجربة السياسية السورية إلى أن الانقسامات الحزبية والصراعات بين الكتل خلال خمسينيات القرن الماضي أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة، ومهّدت لانقلاب عام 1963، وما أعقبه من احتكار حزب البعث للسلطة لعقود طويلة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على وحدة المؤسسة التشريعية اليوم أحد أهم متطلبات نجاح المرحلة الجديدة.
تجاوز إرث المحاصصة والتكتلات
وتؤكد المرحلة الحالية الحاجة إلى تجاوز الموروث السياسي القائم على المحاصصة والتكتلات، والانتقال نحو ثقافة العمل المؤسسي القائمة على الكفاءة والبرامج والمصلحة الوطنية، باعتبار أن مجلس الشعب ليس ساحة لإعادة إنتاج الاصطفافات، وإنما مؤسسة معنية بصياغة التشريعات التي تخدم جميع السوريين.
ويمثل نجاح المجلس في هذه المرحلة معياراً لنجاح مسار بناء الدولة، إذ إن أي انزلاق نحو الولاءات الضيقة أو التجاذبات غير البرامجية من شأنه إضعاف المؤسسة التشريعية، وإعادة إنتاج تجارب أثبت التاريخ أنها أفضت إلى تعطيل الحياة السياسية وتقويض مؤسسات الدولة.
رسائل تأسيسية للمرحلة المقبلة
تعكس انطلاقة مجلس الشعب بعد سقوط نظام الأسد البائد تحولاً في مسار الدولة السورية، يقوم على إعادة تفعيل المؤسسات الدستورية ضمن إطار قانوني جديد، يضع التشريع والرقابة في خدمة إعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون.
تمثل الجلسة الأولى للمجلس بداية مرحلة جديدة تتطلب من جميع أعضائه إدراك حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم، فنجاح التجربة البرلمانية لا يقاس بالمواقع التي يشغلها الأعضاء أو بالاصطفافات التي قد تتشكل، وإنما بقدرتهم على بناء مؤسسة تشريعية فاعلة، تسهم في استكمال بناء الدولة، وتلبي تطلعات السوريين في العدالة والاستقرار والتنمية، وتؤسس لحياة سياسية تقوم على الشراكة الوطنية والكفاءة، لا على الانقسام أو المصالح الضيقة.