مجدولين القاضي.. سيرة شخصية وحكاية اختفاء تحولت إلى قضية رأي عام
مجدولين القاضي.. سيرة شخصية وحكاية اختفاء تحولت إلى قضية رأي عام
● محليات ٦ يونيو ٢٠٢٦

مجدولين القاضي.. سيرة شخصية وحكاية اختفاء تحولت إلى قضية رأي عام

عادت قضية مجدولين فارس القاضي إلى واجهة المشهد السوري بالتزامن مع التطورات المتعلقة بملف الطبيبة رانيا العباسي وعائلتها، لتتحول من اسم ظل لسنوات طويلة في هامش القضية إلى إحدى الشخصيات الرئيسية المرتبطة بواحدة من أبرز ملفات الإخفاء القسري في سوريا.

مجدولين فارس القاضي شابة سورية من مواليد عام 1986، تنحدر من حي مشروع دمر في العاصمة دمشق درست في معهد إعداد المدرسين وعملت لفترة في مجال التعليم كمعلمة وآنسة روضة أطفال، قبل أن تنتقل للعمل سكرتيرة ومساعدة إدارية في عيادة الطبيبة رانيا العباسي لطب الأسنان.

وبحسب أفراد من عائلتها، كانت مجدولين معروفة بين أقاربها وأصدقائها بطابعها الاجتماعي وعلاقاتها الواسعة، كما شاركت في أنشطة إنسانية وخيرية مرتبطة بمساعدة المحتاجين والعائلات المتضررة من الأحداث التي شهدتها سوريا في السنوات الأولى للثورة.

وخلال الأيام الماضية انتشرت معلومات تربط مجدولين بأصول فلسطينية، إلا أن عائلتها نفت ذلك بشكل واضح وقال ابن عمها أنس القاضي إن مجدولين سورية الجنسية ومن أبناء مشروع دمر، موضحاً أن وصفها بـ"فلسطينية الهوى" جاء نتيجة اهتمامها الكبير بالقضية الفلسطينية وتعاطفها مع الشعب الفلسطيني، وليس بسبب انتمائها العائلي أو الوطني.

وأكد خالها محمد أبو الشباب أنها كانت تتابع باهتمام التطورات في فلسطين، وخصوصاً ما يتعلق بقطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن اهتمامها كان نابعاً من قناعة شخصية وموقف إنساني وقومي تجاه القضية الفلسطينية.

ورغم أن بعض الروايات وصفتها بأنها لم تكن منخرطة في أي نشاط سياسي، فإن أفراداً من عائلتها أكدوا أنها كانت تحمل مواقف معارضة للنظام البائد داخل محيطها الاجتماعي وأشاروا إلى أن حسابها الشخصي على "فيسبوك" كان يتضمن إشارات تضامن مع شهداء الثورة السورية، حيث وضعت صورة حداد على سوريا وكتبت عبارات تعبر عن حزنها تجاه ما كان يجري في البلاد.

ومن العبارات التي بقيت مرتبطة بذكراها، ما كتبته على حسابها الشخصي قبل اعتقالها: "وطني قصة حزن ووجع لا ينتهي"، كما نشرت عبارة أخرى جاء فيها: "لأن الدم السوري غالٍ... الله يفرج عنك يا أختي"، في وقت كانت فيه مثل هذه المنشورات تعد مؤشراً قد يثير الشبهات الأمنية لدى أجهزة النظام آنذاك.

تعود بداية القصة إلى شهر آذار عام 2013، عندما اعتقل الأمن العسكري الدكتور عبد الرحمن ياسين، زوج الطبيبة رانيا العباسي وبعد يومين من اعتقاله، توجهت مجدولين إلى منزل رانيا في مشروع دمر لمساندتها ومساعدتها في رعاية أطفالها الستة، بعدما أصبحت وحيدة عقب اعتقال زوجها.

وتروي ابنة خالها لجين أن مجدولين كانت تنوي البقاء في منزل رانيا تلك الليلة لمواساتها وعدم تركها وحدها مع أطفالها، إلا أن قوة من الأمن العسكري داهمت المنزل بعد وقت قصير من وصولها، وقامت باعتقال رانيا العباسي وأطفالها الستة ومجدولين معاً.

وبحسب شهادات العائلة، اقتحمت القوة الأمنية المنزل بعنف، واعتدت على بعض الموجودين فيه، كما قامت بتحطيم كاميرات المراقبة قبل مغادرة المكان بالمعتقلين جميعاً إلى جهة مجهولة.

ومنذ الحادي عشر من آذار 2013 انقطعت أخبار مجدولين بشكل كامل ولم تتلق عائلتها طوال السنوات التالية أي معلومة مؤكدة عن مكان احتجازها أو وضعها القانوني أو مصيرها.

وذكرت مصادر حقوقية وإعلامية أن اسمها ظهر مرة واحدة فقط ضمن وثيقة أمنية صادرة عن أحد فروع المخابرات عام 2013، كما ورد اسمها في سجل محدود لدى المخابرات الجوية دون أي معلومات إضافية، قبل أن يختفي لاحقاً من جميع السجلات المعروفة.

وتؤكد عائلتها أن محاولات البحث عنها شملت مراجعة مختلف الأفرع الأمنية والسجون خلال سنوات طويلة، كما جرى الاستعانة بعلاقات وشخصيات نافذة لمعرفة أي معلومة عنها، إلا أن جميع الجهود انتهت دون نتائج.

ومن أكثر التفاصيل إيلاماً في قصتها، وفاة والدتها بعد سنوات من الانتظار فقد أصيبت والدتها بمرض السرطان بعد اعتقال ابنتها وخضعت للعلاج لفترة طويلة، قبل أن تتوفى عام 2018 وهي لا تزال تجهل مصير ابنتها ويؤكد أفراد العائلة أن سنوات الانتظار والحزن كان لها أثر بالغ على حالتها النفسية والصحية.

كما كشفت العائلة أن عدداً من أقارب مجدولين كانوا قد تعرضوا للاعتقال قبل أيام من اختفائها، بينهم خمسة من أبناء عمومتها ضمن حملة أمنية واسعة استهدفت عشرات الشبان من مشروع دمر، وهو ما دفعهم للاعتقاد بأن قضيتها قد تكون جزءاً من ملف أوسع يتعلق باعتقالات جماعية شهدتها المنطقة آنذاك.

وخلال الفترة الأخيرة، عاد اسم مجدولين القاضي بقوة إلى النقاش العام بعد إعلان نتائج أولية مرتبطة بقضية رانيا العباسي وأطفالها كما أقيمت في حي دمر وقفات تضامنية وشعبية ورسمية لاستذكار رانيا وعائلتها ومجدولين القاضي، شارك فيها مسؤولون محليون وذوو الضحايا وناشطون حقوقيون.

وشهد حي دمر وقفة تضامنية شعبية ورسمية واسعة شارك فيها ذوو الضحايا وشخصيات اجتماعية وحقوقية، إضافة إلى حضور محافظ دمشق ماهر مروان إدلبي وعدد من المسؤولين المحليين.

وخلال الوقفة، ألقى ذوو الضحايا كلمات أكدت على ضرورة كشف مصير جميع المختفين قسرياً ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، فيما جرى استذكار رانيا العباسي وعائلتها ومجدولين القاضي في أجواء حملت طابعاً إنسانياً مؤثراً، وسط دعوات متكررة لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.

كما شهدت المناسبة تلاوة نعوة مجدولين القاضي واستذكارات شعبية من قبل الأهالي، الذين أكدوا أن مجدولين لم تكن مجرد اسم في ملف قضائي، بل ابنة حي ومجتمع كامل ما زال ينتظر معرفة الحقيقة، فيما شددت الكلمات الرسمية على أهمية المضي في مسار العدالة الانتقالية وكشف مصير جميع المفقودين دون استثناء.

وبعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً على اختفائها، تبقى مجدولين القاضي واحدة من أبرز حالات الإخفاء القسري، وسط تساؤلات مستمرة حول مصير آلاف السوريين الذين غيبوا في ظروف مشابهة خلال سنوات الثورة السورية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ