جدل قانوني وإداري بعد رفض هيئة الثروة السمكية قرار وزارة الزراعة بتغيير مديرها
جدل قانوني وإداري بعد رفض هيئة الثروة السمكية قرار وزارة الزراعة بتغيير مديرها
● محليات ٢٥ يوليو ٢٠٢٦

جدل قانوني وإداري بعد رفض هيئة الثروة السمكية قرار وزارة الزراعة بتغيير مديرها

تحولت قضية تكليف مدير جديد للهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية خلال أيام قليلة من قرار إداري اعتيادي إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الأوساط القانونية والإدارية في سوريا، بعدما أعلنت وزارة الزراعة تكليف الدكتور الحبيب محمد سعيد العبدالله مديراً عاماً للهيئة، قبل أن تخرج الهيئة نفسها ببيان غير مسبوق ترفض فيه القرار، مؤكدة أن تعيين أو إعفاء مديرها لا يتم إلا بمرسوم يصدر عن رئيس الجمهورية، استناداً إلى القانون رقم (11) لعام 2021.

ولم يتوقف الجدل عند حدود الخلاف حول الصلاحيات، بل امتد ليعيد إلى الواجهة قضية المدير الحالي إياد خضرو، الذي كان قد أثار قبل أيام موجة انتقادات واسعة بسبب تعميم يتعلق بلباس العاملات في الهيئة، ما دفع كثيرين إلى الربط بين القرارين واعتبار التكليف محاولة لاحتواء الأزمة، بينما رأى آخرون أن القضية كشفت خللاً أعمق يتعلق بمدى التزام المؤسسات العامة بالقانون وحدود اختصاص كل جهة.

وفي التفاصيل أعلنت وزارة الزراعة تكليف الدكتور الحبيب محمد سعيد العبدالله مديراً عاماً للهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية، مقدمة سيرته العلمية والمهنية التي تضمنت حصوله على الدكتوراه في الاستزراع السمكي من تركيا، وخبرة تمتد لأكثر من خمسة عشر عاماً في مشاريع الاستزراع السمكي والزراعة المائية وإدارة المشاريع الزراعية في عدة دول.

ولفت بيان الوزارة إلى أن المدير المكلف عمل مستشاراً ومؤسساً لشركات ومشاريع متخصصة في الأمن الغذائي والإنتاج المستدام وظهر القرار على أنه خطوة لتغيير الإدارة، خاصة بعد الجدل الذي أحاط بالهيئة خلال الأيام الماضية، إلا أن المفاجأة جاءت من داخل الهيئة نفسها.

الهيئة ترفض القرار وتلوح بالقانون

في بيان رسمي، أكدت الهيئة أنها لا تعترض على شخص المدير الجديد، وأن المناصب العامة تكليف وليست امتيازاً، لكنها شددت على أن احترام القانون يمثل أساس بناء المؤسسات.

واستند البيان إلى المادة الثامنة من القانون رقم (11) لعام 2021، التي تنص على أن تعيين المدير العام يتم بقرار من رئيس الجمهورية، معتبرة أن أي إجراء يتعلق بالتعيين أو الإعفاء يجب أن يصدر عن الجهة المختصة قانوناً.

وأكدت الهيئة أن موقفها لا يتعلق بالأشخاص، وإنما بالدفاع عن مبدأ المشروعية واحترام الاختصاصات القانونية ويعد هذا البيان سابقة لافتة، إذ نادراً ما تعلن هيئة حكومية رفضها العلني لقرار صادر عن الوزارة التي تتبع لها.

بيان ثانٍ للدفاع عن المدير الحالي

ولم تكتف الهيئة ببيانها الأول، بل نشرت لاحقاً السيرة المهنية الكاملة للمدير الحالي إياد خضرو، في خطوة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها دفاعاً عنه ورأى متابعون أن نشر هذه السيرة في توقيت إعلان تكليف مدير جديد حمل رسالة ضمنية تؤكد تمسك الهيئة بمديرها الحالي.

واستعرض البيان مسيرته الإدارية والاقتصادية منذ عام 2013، وخبراته في إدارة الملفات المالية والاقتصادية، إضافة إلى دوره في تأسيس مشاريع الاستزراع السمكي بالمناطق المحررة، وإنشاء أول مزرعة أسماك مكثفة، وتطوير صناعة الأعلاف السمكية، مع التأكيد أن خبراته جعلته من أبرز الكفاءات القادرة على تطوير هذا القطاع.

وتأتي هذه الأزمة بعد أيام فقط من الجدل الذي أثاره تعميم أصدره المدير الحالي إياد خضرو، طالب فيه العاملات في الهيئة بالالتزام بما وصفه بـ"اللباس المحتشم والرسمي واللائق بالوظيفة العامة"، محدداً أن يكون اللباس ساتراً لجميع أجزاء الجسم باستثناء الوجه والكفين، مع منع الملابس الضيقة أو القصيرة.

وأثار التعميم موجة انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة أنه لم ينشر رسمياً في البداية، قبل أن تؤكد وزارة الزراعة صحته وربط كثير من المتابعين بين أزمة التعميم وقرار تكليف مدير جديد، معتبرين أن القرار جاء في سياق معالجة تداعيات الجدل الذي أحدثه التعميم.

وأوضحت الوزارة لاحقاً أنها أحالت التعميم إلى الجهات القانونية والإدارية المختصة لمراجعته، والتحقق من مدى توافقه مع القوانين والأنظمة النافذة، مؤكدة احترامها للخصوصية الشخصية للعاملين، مع التشديد في الوقت نفسه على أهمية الانضباط الوظيفي والمظهر اللائق داخل المؤسسات العامة.

الرأي القانوني.. هل يملك الوزير صلاحية الإعفاء؟

قدم الباحث السوري عمر إدلبي قراءة قانونية اعتبر فيها أن قرار وزير الزراعة يشوبه "عيب عدم الاختصاص الجسيم"، موضحاً أن المادة الثامنة من القانون رقم (11) لعام 2021 تنص على أن المدير العام للهيئة يُعين بمرسوم بناء على اقتراح الوزير، وبالتالي فإن سلطة التعيين والإعفاء تعود لرئيس الجمهورية وليس للوزير.

وبحسب هذا الرأي، فإن الوزير يملك فقط رفع اقتراح بالإعفاء، بينما يبقى إصدار القرار النهائي من اختصاص رئيس الجمهورية، وهو ما يجعل قرار التكليف ـ إذا لم يكن مستنداً إلى مرسوم ـ عديم الأثر القانوني.

لكن إدلبي انتقد في الوقت نفسه طريقة تعامل الهيئة مع الأزمة، معتبراً أن إصدار بيان لرفض القرار ليس المسار القانوني الصحيح، لأن الجهة المتضررة كان يفترض أن تلجأ إلى القضاء الإداري بطلب إلغاء القرار ووقف تنفيذه، بدلاً من الدخول في سجال إعلامي مع الوزارة.

ووصف ما جرى بأنه يعكس خللاً في فهم قواعد القانون الإداري لدى الطرفين، داعياً إلى مساءلة كل من أصدر القرار ومن تعامل معه خارج الأطر القانونية.

لماذا أثار الملف كل هذا الاهتمام؟

لا يعود الاهتمام بالقضية إلى تغيير مدير هيئة حكومية فحسب، وإنما لأنها فتحت نقاشاً أوسع حول عدة قضايا متداخلة، أبرزها حدود صلاحيات الوزراء في مواجهة الهيئات العامة، ومدى استقلالية تلك الهيئات، وآليات تطبيق مبدأ المشروعية داخل مؤسسات الدولة.

كما أعادت الأزمة طرح تساؤلات حول آليات اتخاذ القرارات الإدارية، ودور القضاء الإداري في معالجة النزاعات بين الجهات الحكومية، بدلاً من انتقالها إلى الفضاء الإعلامي.

هذا ويبقى مصير القرار مرتبطاً بتوضيح رسمي من الجهات المختصة، سواء عبر صدور مرسوم ينهي الجدل قانونياً، أو التراجع عن قرار التكليف إذا ثبت عدم استكمال إجراءاته القانونية.

وفي المقابل، قد يدفع الجدل المتصاعد إلى مراجعة أوسع للآليات القانونية المنظمة للعلاقة بين الوزارات والهيئات العامة، بما يضمن وضوح الاختصاصات ويمنع تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلاً.

وتكشف أزمة الهيئة العامة للثروة السمكية أن القضية تجاوزت مجرد تغيير إداري لتتحول إلى اختبار حقيقي لاحترام مبدأ سيادة القانون داخل مؤسسات الدولة وبين قرار وزارة الزراعة، وتمسك الهيئة بنص القانون، والقراءة القانونية التي انتقدت أداء الطرفين، برزت أسئلة جوهرية حول حدود الصلاحيات، وآليات الفصل في النزاعات الإدارية، ومدى قدرة المؤسسات على معالجة خلافاتها ضمن الأطر القانونية بعيداً عن السجال العلني، في وقت لا تزال فيه الأزمة بانتظار حسم رسمي يضع حداً للجدل الدائر.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ