تصفيات داخلية تضرب ميليشيا الهجري.. مرحلة جديدة من الانفلات الأمني بالسويداء
تتشهد محافظة السويداء، الخاضعة لهيمنة ميليشيا حكمت الهجري، تصاعداً لافتاً في مظاهر الانفلات الأمني والخدمي، مع انتقال حالة الفوضى خلال الأيام الأخيرة إلى مستوى أكثر خطورة تمثل ببدء استهداف قيادات ميدانية تنتمي لما يسمى "الحرس الوطني" التابع للهجري، في مؤشر يعكس عمق التصدع الداخلي والصراع المتنامي بين الأجنحة المسلحة داخل المحافظة.
وفي أحدث هذه الحوادث، دوّى انفجار في مدينة السويداء عند الساعة الثالثة من فجر اليوم، ناجم عن عبوة ناسفة زُرعت في سيارة القيادي العسكري فاروق النداف، أحد قادة اللواء 111 المنضوي ضمن تشكيلات الحرس الوطني.
ووفق مصادر محلية، أدى الانفجار إلى أضرار مادية جسيمة لحقت بالمركبة المستهدفة، دون تسجيل إصابات بشرية ويعد هذا الحادث الثاني من نوعه خلال أقل من يومين، بعدما سبقه فجر أمس استهداف مماثل طال سيارة باسل الشاعر، أحد أبرز قادة ميليشيات الهجري، حيث انفجرت عبوة ناسفة بمركبته لكنه نجا منها، واقتصرت الخسائر على الأضرار المادية.
وعقب استهدافه، ظهر باسل الشاعر في تسجيل مصور وجّه خلاله اتهامات مباشرة إلى الدولة السورية بالوقوف خلف العملية، كما شن هجوماً على شخصيات محلية من بينها ليث البلعوس وسليمان عبد الباقي، زاعماً وجود "أيادٍ تتبع للدولة" خلف هذه التحركات، ومتوعداً بإقامة "المشانق" لمحاسبة خصومه.
غير أن هذه الاتهامات بدت، وفق متابعين وناشطين من أبناء المحافظة، محاولة متسرعة للهروب من الواقع الأمني المتردي داخل صفوف ميليشيا الهجري، وصرف الأنظار عن موجة التصفيات الداخلية التي بدأت تضرب قياداتها وعناصرها بشكل علني، في ظل تصاعد الخلافات بين مراكز النفوذ والسلاح.
ورأى ناشطون أن ظهور الشاعر الإعلامي لم يكن سوى محاولة للفت الانتباه بعيداً عن سؤال جوهري بات يفرض نفسه في السويداء من الذي بدأ بتصفية قادة الحرس الوطني ولماذا تحولت المجموعات المسلحة التي تزعم حماية المحافظة إلى بيئة مفتوحة للاغتيالات والعبوات الناسفة.
وتشير المعطيات المتوفرة من داخل السويداء إلى أن العمليتين تحملان بصمات صراع داخلي أكثر من كونهما حدثاً مرتبطاً بأي طرف خارجي، خاصة أن الاستهداف جاء مركّزاً ضد شخصيات نافذة ضمن ميليشيا الهجري نفسها، وفي توقيت متقارب، ما يعزز فرضية وجود تصفيات حسابات بين الأطراف المتنازعة على النفوذ والقرار والموارد.
وتكشف هذه التطورات حجم الهشاشة التي وصلت إليها البنية الأمنية داخل المحافظة، حيث بات مقاتلو الحرس الوطني والقريبون منه عرضة للاستهداف المباشر، وسط عجز واضح عن ضبط المشهد أو تقديم رواية مقنعة للرأي العام المحلي.
كما تؤكد الحوادث الأخيرة أن السلاح المنفلت الذي جرى تكريسه خلال الأشهر الماضية تحت شعارات "الحماية الذاتية" و"الإدارة المحلية" بدأ يرتد على حامليه، ليتحول إلى مصدر تهديد يومي حتى داخل الدوائر الأكثر قرباً من الهجري.
ولا تبدو هذه التفجيرات حوادث معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من الفلتان المتصاعد الذي يضرب المحافظة، سواء على مستوى الاغتيالات، أو الخطف، أو النزاعات المسلحة بين المجموعات المحلية، بالتوازي مع تدهور خدمي ومعيشي متسارع وانعدام المرجعية الأمنية القادرة على ضبط الأرض.
ومع تكرار استهداف شخصيات محسوبة على الحرس الوطني خلال ساعات قليلة، تبدو السويداء أمام مرحلة أمنية جديدة عنوانها تصفيات داخلية صامتة وانهيار الثقة داخل المعسكر الواحد، وتحول الصراع من حالة توتر سياسي إلى مواجهات خفية تستخدم فيها العبوات الناسفة والرسائل الدموية لتصفية الخصوم.
وفي ظل هذا الواقع، يزداد انكشاف خطاب ميليشيا الهجري التي لطالما ادعت أنها تمثل "حالة حماية" للمحافظة، بينما تكشف الوقائع اليومية أن السويداء باتت تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً، حيث لا أمن للعناصر المسلحة أنفسهم، ولا استقرار للمدنيين الذين يدفعون ثمن هذا التشظي المتسارع.