بين هيبة الدولة وسيادة القانون.. كيف ينظر القانون إلى ممانعة الدوريات الأمنية في سوريا؟
سجلت عدة محافظات سوريا خلال الأسابيع الماضية عدد من الحوادث التي تعرضت فيها دوريات الأمن الداخلي والشرطة العسكرية للممانعة أو الاعتداء أثناء تنفيذ مهامها، في وقائع تفاوتت بين العرقلة اللفظية والمقاومة المباشرة وصولاً إلى الاشتباكات المسلحة، ما أسفر في بعضها عن سقوط شهداء وإصابات في صفوف العناصر الأمنية، ما يطرح تساؤلات حول التوصيف القانوني لهذه الأفعال، وحدود صلاحيات الأجهزة الأمنية، وحقوق المواطنين في حال وقوع أي تجاوزات أثناء تنفيذ الإجراءات.
وتبرز هذه التساؤلات في ظل مواصلة المؤسسات الأمنية جهودها لفرض الأمن، وملاحقة المطلوبين، واستعادة الاستقرار في مختلف المحافظات، بالتوازي مع الحاجة إلى ترسيخ ثقافة احترام القانون وتعزيز الثقة بين المجتمع والأجهزة المكلفة بإنفاذه.
وخلال الفترة الماضية، سجلت محافظة حمص حادثة ممانعة لدورية تابعة لفرع المباحث الجنائية أثناء تنفيذها مهمة رسمية لحجز مركبة مسروقة بناءً على بلاغ من مالكها، حيث أقدم الشخص الذي كانت بحوزته المركبة على عرقلة عمل الدورية قبل أن يعمد إلى إحراق المركبة، فيما تمكنت قيادة الأمن الداخلي من توقيف جميع المتورطين وبدأت التحقيقات تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء.
وفي محافظة حماة، أعلنت الجهات المختصة استكمال ملاحقة جميع المتورطين في الاعتداء المسلح على الدورية المشتركة للأمن الجنائي والمهام الخاصة في قرية الجنابرة، بعد إلقاء القبض على المطلوبين الأخيرين وإحالتهما إلى فرع الشرطة العسكرية لاستكمال الإجراءات القانونية وإغلاق ملف القضية بمحاسبة جميع المشاركين في الاعتداء.
كما شهدت مدينة سلمية حادثة أخرى عندما تدخلت قوات الأمن لفض مشاجرة داخل السوق، قبل أن تواجه الدورية مقاومة واعتداءً من بعض المتواجدين، ما استدعى إرسال تعزيزات أمنية للسيطرة على الموقف وإلقاء القبض على المتورطين.
في حين أطلقت السلطات سراح عدد من الأشخاص بعد ثبوت عدم صلتهم بالواقعة، مع استمرار التحقيقات بحق أطراف القضية، بالتزامن مع لقاءات عقدتها الإدارة المحلية مع وجهاء المدينة لاحتواء التوتر وشرح ملابسات الحادثة.
وفي حادثة منفصلة بمدينة حمص، استشهد أحد عناصر الشرطة العسكرية وأصيب عنصران آخران خلال اشتباك مع مطلوب أمني أثناء تنفيذ مهمة أمنية في حي المريجة، فيما واصلت قوى الأمن الداخلي عمليات ملاحقة المتورطين لكشف جميع ملابسات الحادثة.
وفي ضوء هذه الوقائع، توجهت شبكة شام الإخبارية إلى الحقوقي عبد الناصر حوشان لاستطلاع الرأي القانوني حول هذه الظاهرة، حيث أكد أن التشريعات السورية النافذة تعالج بصورة واضحة جميع أشكال ممانعة الدوريات الأمنية والاعتداء على السلطة العامة.
وأوضح أن قانون العقوبات السوري يتضمن نصوصاً خاصة تجرّم الاعتداء على الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون أثناء أداء وظائفهم، سواء تمثل ذلك بالعرقلة أو الإهانة أو استخدام العنف، مع تشديد العقوبات في الحالات التي تتضمن الاعتداء الجسدي أو استعمال السلاح أو منع الدورية بالقوة من تنفيذ واجبها.
وأوضح حوشان أن القانون الحالي لا يحتاج إلى تعديلات أو تشريعات جديدة لمعالجة هذه الحالات، لأن النصوص القائمة كافية من الناحية القانونية، بينما تكمن الأولوية في التطبيق السليم للقانون وضمان احترامه من جميع الأطراف.
وأضاف أن انتشار مقاطع الفيديو التي توثق ممانعة الدوريات الأمنية لا يؤثر فقط على مجريات القضايا، بل ينعكس أيضاً على صورة الدولة وهيبة مؤسساتها، باعتبار أن رجل الأمن يمثل السلطة العامة المكلفة بتطبيق القانون، وأن تكرار مشاهد الاعتداء أو التحريض على عرقلة عمل الدوريات يضعف مفهوم سيادة القانون ويؤثر في ثقة المجتمع بالمؤسسات الرسمية.
وفي المقابل، شدد حوشان على أن عنصر الأمن ليس بمنأى عن المساءلة، إذ يخضع للعقوبات المسلكية أو الجزائية إذا تجاوز حدود صلاحياته أو خالف التعليمات أو ارتكب أفعالاً يعاقب عليها القانون.
وأكد أن العلاقة السليمة بين المواطن ورجل الأمن تقوم على الالتزام المتبادل بالقانون، بحيث يحترم رجل الأمن صلاحياته ويحترم المواطن السلطة العامة، داعياً إلى تكثيف برامج التوعية القانونية للمجتمع، وإقامة دورات تدريبية لعناصر إنفاذ القانون لتعزيز الثقافة القانونية والأخلاقية وترسيخ مبدأ احترام القانون.
وفي حديث آخر لشبكة شام الإخبارية، أوضح الحقوقي المعتصم الكيلاني أن ممانعة الدورية الأمنية أثناء ممارستها اختصاصها بصورة مشروعة قد تشكل جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات السوري، مبيناً أن الوصف القانوني يختلف باختلاف طبيعة الفعل، إذ تختلف العرقلة اللفظية عن استخدام القوة أو العنف أو التهديد أو التحريض الجماعي، فيما يبقى تقدير التوصيف والعقوبة من اختصاص القضاء بعد دراسة ظروف كل واقعة.
وأشار الكيلاني إلى أن مشروعية الإجراء الأمني تمثل أساس أي مساءلة، فإذا كان تدخل الدورية مستنداً إلى القانون فإن مقاومتها تعد فعلاً مجرماً، أما إذا تجاوز عناصر الأمن صلاحياتهم أو خالفوا القانون فإنهم يخضعون بدورهم للمساءلة الجزائية أو التأديبية، مؤكداً أن سيادة القانون تعني خضوع الجميع، مواطنين وموظفين، للأحكام القانونية ذاتها.
وبيّن أن العقوبات تتدرج بحسب جسامة الفعل، وقد تصل إلى الحبس إذا اقترنت الممانعة بالعنف أو التهديد أو الاعتداء أو تسببت بإصابات أو أعاقت تنفيذ القانون، مع التأكيد أن القضاء وحده يملك سلطة إصدار الأحكام وفق مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".
وأكد الكيلاني أن القانون يكفل للمواطنين حق الاعتراض وتقديم الشكاوى والطعن في القرارات التي تمس حقوقهم، إلا أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تتم عبر الوسائل القانونية وليس من خلال تعطيل عمل الجهات الأمنية أو الاعتداء على عناصرها، مشيراً إلى أن الاحتجاج السلمي حق تكفله القوانين، بينما لا تحظى أعمال العنف أو مقاومة السلطات بالحماية القانونية.
وأضاف أن نجاح المؤسسة الأمنية في المرحلة الانتقالية لا يقاس فقط بقدرتها على فرض الأمن، وإنما بمدى التزامها بتطبيق القانون واحترام حقوق الإنسان والضمانات الإجرائية، من خلال تنفيذ المهام استناداً إلى سند قانوني واضح، والتعريف بصفة عناصر الدورية، وبيان أسباب الإجراءات، واحترام حقوق الموقوفين، وعدم استخدام القوة إلا عند الضرورة وبالقدر المتناسب مع الخطر، مع توثيق جميع الإجراءات وإخضاعها لرقابة القضاء.
وتؤكد الوقائع الأخيرة، إلى جانب الآراء القانونية التي عرضها الحقوقيان، أن نجاح الجهود الأمنية في ترسيخ الاستقرار لا يعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى وعي مجتمعي يدرك أن احترام رجل الأمن أثناء أداء واجبه لا يتعارض مع حق المواطن في المطالبة بحقوقه أو الاعتراض على أي تجاوز عبر القنوات القانونية.
فكلما التزمت المؤسسات الأمنية بالقانون، ومارس المواطن حقوقه ضمن الأطر القانونية، تعززت الثقة بين المجتمع والدولة، وترسخت هيبة المؤسسات، بما يسهم في حماية الأمن العام وترسيخ دولة القانون التي تقوم على المسؤولية والمساءلة والاحترام المتبادل.
ويذكر أن وزارة الداخلية أطلقت تطبيقاً رقمياً رسمياً باسم "صوتك وصل"، والذي يُتيح تقديم الشكاوى بحق أي فرد أو مؤسسة تابعة لها، وكان وزير الداخلية أنس خطاب دائرة العلاقات العامة بحمص وتشمل خدماتها استقبال شكاوى التعديات من بعض عناصر الأمن الداخلي وذلك ضمن جهود الوزارة لتطوير العمل المؤسسي وتعزيز قنوات التواصل المباشر مع المواطنين، بهدف تحسين جودة الخدمات المقدمة، وتسهيل الإجراءات.