القاضي حسين حمادة: العدالة الانتقالية مشروع وطني متكامل وأي إخفاق في تطبيقها يهدد استقرار الدولة
أكد القاضي المنشق عن نظام الأسد "حسين حمادة"، أن نجاح العدالة الانتقالية يشكل أحد المرتكزات الأساسية لبناء دولة مستقرة وقائمة على سيادة القانون، محذراً من أن الإخفاق في تطبيقها لا يقتصر على تعطيل مسار قانوني أو سياسي، بل يؤدي إلى إبقاء آثار الانتهاكات مفتوحة، ويضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ويهدد السلم الأهلي على المدى الطويل.
تجارب دولية أظهرت مخاطر الإخفاق
أشار حمادة وهو مدير المركز السوري للدراسات القانونية، إلى أن عدداً من الدول التي لم تستكمل مسار العدالة الانتقالية أو اكتفت بتطبيقه بصورة شكلية، شهدت عودة الأزمات بأشكال مختلفة، مستشهداً بتجارب العراق وليبيا واليمن ولبنان والسودان والبوسنة والهرسك وأفغانستان، معتبراً أن غياب العدالة أسهم في إعادة إنتاج الصراعات داخل تلك الدول.
أسباب تعثر العدالة الانتقالية
بيّن حمادة أن أبرز أسباب فشل مسارات العدالة الانتقالية تتمثل في غياب الإرادة السياسية الجادة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضعف استقلالية السلطة القضائية، والتوسع في منح العفو بما يؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب، إلى جانب التدخلات الخارجية والانقسامات المجتمعية، وتهميش الضحايا، وعدم إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية والإعلامية التي ارتبطت بالانتهاكات السابقة.
وأضاف أن من أبرز أسباب الإخفاق أيضاً سوء فهم مفهوم العدالة الانتقالية، موضحاً أنها ليست مجرد هيئة أو قانون أو مجموعة تفاهمات، وإنما مشروع وطني طويل الأمد يهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
مساران متكاملان لتحقيق العدالة
أوضح حمادة أن العدالة الانتقالية تقوم على مسارين متوازيين، أولهما قضائي يعتمد على قضاء مستقل قادر على محاسبة مرتكبي الجرائم وحماية الحقوق، وثانيهما إداري تتولاه لجان وطنية متخصصة تعمل ضمن إطار قانوني واضح.
وأكد أن نجاح المسار القضائي يتطلب تطوير السلطة القضائية، وإبعادها عن أي تأثير سياسي أو إداري، وإعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى، وإعادة هيكلة المحاكم والنيابات بما يعزز استقلال القضاء وكفاءته.
لجان متخصصة لمعالجة إرث الانتهاكات
اقترح حمادة تشكيل عدد من اللجان الوطنية المتخصصة ضمن مسار العدالة الانتقالية، تشمل لجنة لكشف الحقيقة تتولى توثيق الانتهاكات وإعداد سجل وطني للضحايا والمفقودين والمعتقلين، ولجنة للمصالحة الوطنية تعمل على تعزيز السلم الأهلي وتعويض المتضررين وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
كما دعا إلى تشكيل لجنة لإصلاح المؤسسات تتولى تقييم أداء المؤسسات المرتبطة بالفساد أو الانتهاكات وإعادة هيكلتها، ولجنة لتطوير المنظومة الدستورية والقانونية تتولى مراجعة التشريعات وإعداد قوانين تنسجم مع مبادئ حقوق الإنسان والدولة الحديثة، إضافة إلى لجنة للتحكيم وتسوية المنازعات المالية والمدنية بهدف تسريع معالجة النزاعات المتعلقة بالممتلكات والحقوق الناجمة عن سنوات الحرب.
رؤية موحدة لبناء دولة القانون
شدد حمادة في ختام طرحه على ضرورة أن تعمل جميع هذه اللجان تحت إشراف قضائي وضمن رؤية وطنية موحدة، بما يضمن تحقيق التكامل بين مؤسسات الدولة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإنصاف الضحايا، وتعويض المتضررين، وترسيخ مصالحة وطنية حقيقية تمنع تكرار الانتهاكات، وصولاً إلى بناء دولة تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية.