العقارات في سوريا بين ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.. تحديات متزايدة أمام تملك السكن
يشهد سوق العقارات في سوريا خلال السنوات الأخيرة ارتفاعات ملحوظة في الأسعار، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف تملك المساكن، وفق تقديرات وخبراء في القطاع العقاري.
وأوضح خبير التقييم العقاري الدكتور أنور وردة، أن أسعار العقارات في عدد من المناطق السكنية بدمشق وضواحيها سجلت مستويات مرتفعة مقارنة بمتوسط الدخول، مشيراً إلى أن بعض المناطق الراقية شهدت ارتفاعات كبيرة في أسعار المتر المربع، فيما طالت الزيادات أيضاً مناطق الضواحي والأحياء الشعبية بدرجات متفاوتة.
وبحسب الخبير ذاته، فإن آليات التسعير في السوق العقارية لا تعتمد دائماً على التكلفة الفعلية للبناء أو التطوير العقاري، وإنما تتأثر بعوامل متعددة، من بينها توقعات التضخم وتقلبات الأسعار، ما ينعكس على قرارات البيع والشراء ويؤدي إلى ارتفاعات إضافية في القيمة السوقية للعقارات.
وأشار إلى أن الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات الدخل أصبحت أكثر اتساعاً خلال الفترة الأخيرة، لافتاً إلى أن امتلاك مسكن بالنسبة للعديد من أصحاب الدخل المحدود والمتوسط بات يتطلب فترات ادخار طويلة، الأمر الذي يحد من فرص التملك ويزيد الاعتماد على سوق الإيجارات.
ويرى مختصون أن السوق العقارية أصبحت تتأثر بشكل متزايد بالسيولة المتوافرة لدى المستثمرين والمدخرين، إضافة إلى الطلب القادم من أصحاب المدخرات بالعملات الأجنبية، وهو ما يجعل حركة الأسعار أقل ارتباطاً بمتوسط الأجور المحلية.
وفي المقابل، يؤكد خبراء أن معالجة هذه التحديات تتطلب مجموعة من الإجراءات المتكاملة، تشمل توسيع المعروض السكني، وتشجيع مشاريع الإسكان الميسر، وتوفير أدوات تمويل عقاري مناسبة، إلى جانب تعزيز الاستقرار الاقتصادي بما يسهم في إعادة التوازن بين أسعار العقارات ومستويات الدخل.
ويشير مراقبون إلى أن قطاع العقارات ما يزال يمثل أحد أهم القطاعات الاقتصادية والاستثمارية في البلاد، إلا أن تحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب وتحسين فرص الوصول إلى السكن يبقى من أبرز التحديات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.
وتشير المعطيات المتداولة حول سوق العقارات في دمشق إلى استمرار ارتفاع الأسعار عند مستويات تعد من بين الأعلى مقارنة بمتوسط الدخل المحلي، رغم سنوات الحرب والتحديات الاقتصادية.
وتوضح تقارير عقارية أن العاصمة السورية كانت مصنفة قبل عام 2011 ضمن المدن ذات الأسعار العقارية المرتفعة عالمياً، فيما لا تزال بعض أحيائها الرئيسية مثل المالكي وأبو رمانة والمزة والميدان والزاهرة تسجل أسعاراً مرتفعة تفوق قدرة معظم السكان على الشراء.
ويرى خبراء أن عدة عوامل أسهمت في هذا الواقع، أبرزها تراجع المعروض السكني نتيجة الأضرار التي لحقت بالمساكن خلال سنوات الحرب، وارتفاع تكاليف البناء والإكساء، إلى جانب زيادة أسعار العمالة والنقل، فضلاً عن تأثير العرض والطلب في المناطق الأكثر استقراراً والأعلى طلباً.
وتؤكد الخبيرة العقارية فادية عبد النور أن قيمة العقار لا ترتبط فقط بتكاليف البناء، بل يعد الموقع الجغرافي العامل الأكثر تأثيراً في تحديد الأسعار، إضافة إلى نوعية الملكية العقارية وسجلاتها القانونية.
كما أشارت إلى أن انخفاض بعض أسعار مواد البناء لم ينعكس بصورة كبيرة على أسعار العقارات بسبب ارتفاع تكاليف أخرى مرتبطة بعملية البناء.
في المقابل، يرى مختصون اقتصاديون أن تراجع القوة الشرائية وانخفاض قيمة العملة المحلية خلال السنوات الماضية أسهما في تضخم الأسعار بالليرة السورية، بينما أدى الطلب المرتفع على عدد محدود من العقارات إلى استمرار مستويات الأسعار المرتفعة.
وعلى صعيد الحركة السوقية، شهدت سوق العقارات في دمشق وضواحيها حالة من الجمود خلال الفترة الماضية نتيجة عوامل اقتصادية ومالية متعددة، منها تراجع السيولة النقدية وتقلبات سعر الصرف، إلا أن الأسعار بقيت مستقرة نسبياً عند احتسابها بالدولار الأمريكي، مع استمرار الطلب على بعض الأحياء التي تتمتع بخصوصية اجتماعية وسكانية.
وفي إطار معالجة تحديات السكن، تعمل الجهات المعنية على تطوير قطاع التمويل العقاري من خلال تطبيق القانون رقم 39، الذي يتضمن إنشاء هيئة للتمويل العقاري وصندوق للضمان العقاري ومؤسسات متخصصة تهدف إلى تنظيم السوق وتوسيع فرص التمويل، ولا سيما لأصحاب الدخل المحدود والمتوسط والأسر الجديدة.
كما تستند الخطط المطروحة إلى تجارب دولية في التمويل العقاري، مع التركيز على توفير أدوات تمويل متنوعة وتخفيض تكلفة الإقراض وتوسيع فرص الادخار والاستثمار السكني، بما يسهم في تعزيز فرص امتلاك المساكن مستقبلاً.
ويرى مختصون أن المشاريع السكنية والاستثمارات الجديدة المعلن عنها قد تسهم في زيادة المعروض العقاري مستقبلاً، إلا أن تأثيرها على الأسعار سيختلف بحسب طبيعة هذه المشاريع والفئات المستهدفة منها، سواء كانت موجهة للإسكان الشعبي أو للمشاريع السكنية ذات المواصفات والخدمات المتقدمة.
وتشهد سوق العقارات في دمشق ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار، حيث وصلت إلى مستويات تنافس كبرى العواصم العربية والعالمية، في ظل زيادة الطلب مقابل محدودية المعروض داخل العاصمة.
وفي التفاصيل سجلت بعض العقارات الفاخرة أسعاراً لافتة، إذ بلغ سعر عقار في أوتستراد المزة بمساحة 1000 متر نحو 7 ملايين دولار، أي ما يعادل 7 آلاف دولار للمتر الواحد.
فيما عرض فندق أثري في دمشق بمساحة 3000 متر بسعر 6 ملايين دولار، إضافة إلى منشآت صناعية ومنازل فاخرة تراوحت أسعارها بين 3 و4 ملايين دولار.
ولم تقتصر الأسعار المرتفعة على العقارات الكبيرة، بل شملت أيضاً الشقق السكنية، حيث وصل سعر شقة بمساحة 450 متراً إلى نحو مليوني دولار، في حين سجلت عقارات في أحياء راقية مثل المالكي والشعلان أسعاراً مرتفعة مماثلة.