الذكرى التاسعة لتهجير الوعر.. عودة إلى الحي واستحضار لواحدة من أقسى محطات حمص
شهد حي الوعر في مدينة حمص، يوم الخميس 21 أيار/ مايو فعاليات شعبية لإحياء الذكرى التاسعة لتهجير القافلة الأخيرة من سكان الحي في أيار 2017، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر محطات الحصار والتهجير قسوة خلال سنوات الثورة السورية، لكن هذه المرة من داخل الحي نفسه بعد سنوات أقيمت خلالها الذكرى في مخيمات النزوح ومدن اللجوء.
وفي التفاصيل انطلقت الفعاليات من مسجد العمري عقب صلاة العصر، حيث تجمع الأهالي والناشطون والعائدون إلى الحي، قبل التوجه إلى مقبرة الشهداء ثم إقامة الفعالية المركزية في مدينة المعارض، وسط حضور واسع لأبناء الوعر الذين استعادوا خلال المناسبة تفاصيل سنوات الحصار والقصف والتهجير.
وبين الأبنية المدمرة والشوارع التي لا تزال تحمل آثار الدمار واضحة عليها، بدت الذكرى هذا العام مختلفة بالنسبة لكثير من أبناء الحي، إذ عاد عدد كبير من المهجرين إلى منازلهم بعد إسقاط النظام البائد، رغم الدمار الكبير وضعف عمليات إعادة الإعمار والخدمات الأساسية.
ويعد حي الوعر، المعروف محلياً باسم حمص الجديدة، آخر معاقل الثوار داخل مدينة حمص قبل تهجيره الكامل عام 2017، ويقع شمال غربي المدينة ويفصله نهر العاصي وبساتين الميماس عن بقية الأحياء، بينما تحيط به الكلية الحربية من الشمال الشرقي وقرية المزرعة غرباً.
ومع بدايات عام 2012، تحول حي الوعر إلى ملاذ رئيسي للنازحين من أحياء حمص المحاصرة، ليرتفع عدد سكانه من نحو 75 ألف نسمة قبل الثورة السورية إلى أكثر من نصف مليون شخص مع نهاية العام نفسه، وفق تقديرات جمعيات إغاثية.
وفي 20 حزيران 2013 فرض النظام البائد أول حصار فعلي على الحي بعد منع دخول الخبز، لتبدأ مرحلة طويلة من التضييق والقصف والعمليات العسكرية، ازدادت حدتها بعد خروج مقاتلي حمص القديمة في أيار 2014، حين أصبح الوعر آخر حي خارج سيطرة النظام البائد داخل المدينة.
وخلال تلك السنوات، شهد الحي جولات تفاوض متكررة بين وجهاء الوعر والنظام، تخللتها هدن مؤقتة كثيراً ما انتهت بحصار أشد وقصف متجدد، قبل أن تبدأ أولى عمليات الإخلاء في كانون الأول 2015 بخروج دفعات من المقاتلين وعائلاتهم إلى إدلب.
وفي أيلول 2016 خرجت دفعة أخرى ضمت نحو 250 مقاتلاً مع عائلاتهم إلى ريف حمص الشمالي، قبل أن تبدأ عملية التهجير الكبرى في 18 آذار 2017، حين انطلقت أولى الحافلات الخضراء نحو جرابلس، ثم توالت القوافل باتجاه إدلب وريف حمص الشمالي بشكل أسبوعي.
وفي 21 أيار 2017 خرجت القافلة الأخيرة من حي الوعر، لتطوى بذلك آخر صفحات سيطرة الثوار في مدينة حمص، في مشهد لا يزال محفوراً في ذاكرة السكان الذين وصفوا يوم التهجير بأنه من أكثر الأيام قسوة في تاريخ المدينة.
وخلال فعالية الذكرى، استعاد الأهالي أسماء الضحايا والمعتقلين والمسعفين والأطباء الذين بقوا إلى جانب المدنيين خلال سنوات الحصار، فيما وقف كثير من المشاركين عند قبور الشهداء في لحظات امتزج فيها الصمت بالدعاء واستحضار تفاصيل السنوات الماضية.
كما تداول ناشطون صوراً قديمة التقطت لحظة التهجير عام 2017، إلى جانب صور حديثة لهم بعد عودتهم إلى الحي، في مقارنة لخصت سنوات النزوح الطويلة والتحولات التي شهدها المكان.
وأكد عدد من أبناء ونشطاء الحي أن الذكرى هذا العام لم تعد مرتبطة فقط باستعادة الألم، بل تحولت أيضاً إلى مناسبة للحديث عن العودة وإعادة بناء الحياة، مع بدء عودة العائلات تدريجياً وافتتاح بعض المحال التجارية ومحاولات ترميم المنازل المتضررة.
وخلال الفعالية، عبرت والدة شهيدين من أبناء الحي عن أمنيتها بأن يتكاتف السوريون جميعاً لبناء سوريا في رسالة لاقت تفاعلاً واسعاً بين المشاركين الذين أكدوا أن الوعر، رغم ما مر به، ما يزال قادراً على النهوض من جديد.