التكية السليمانية بدمشق.. خمسة قرون من التاريخ والعمارة تعود إلى الحياة بعد 15 عاماً من الإغلاق
استعادت التكية السليمانية في العاصمة دمشق جانباً من دورها الديني والتاريخي، مع إعادة افتتاح مسجدها في 31 تشرين الأول 2026، بعد نحو 15 عاماً من الإغلاق، عقب أعمال ترميم وتأهيل استهدفت الحفاظ على معالمه المعمارية وإعادة تفعيل وظائفه الدينية والعلمية، ضمن مجمع أثري يعود تأسيسه إلى القرن السادس عشر الميلادي.
وتُعد التكية السليمانية، الواقعة على ضفاف نهر بردى، من أبرز المنشآت المعمارية العثمانية في سوريا، إذ جمعت منذ تأسيسها بين العبادة والتعليم والتكافل الاجتماعي، وشكلت محطة لاستقبال قوافل الحجاج وإيواء المسافرين وإطعام المحتاجين، قبل أن تتوسع وظائفها عبر القرون لتشمل أنشطة تعليمية وحرفية وثقافية.
وتكتسب إعادة افتتاح المسجد أهمية خاصة في ظل التحولات التي شهدها المجمع خلال العقود الماضية، بما فيها إغلاق المسجد وإخلاء سوق المهن اليدوية من حرفييه خلال حكم النظام السابق، الأمر الذي يضع الحفاظ على هوية التكية الدينية والاجتماعية والحرفية ضمن أولويات استكمال تأهيلها.
من قصر الأبلق إلى المجمع العثماني
يرتبط الموقع الذي تقوم عليه التكية السليمانية بتاريخ عمراني يعود إلى ما قبل العهد العثماني، إذ كان يضم قصر الأبلق الذي شيده السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، واكتسب اسمه من الأحجار المتناوبة بين اللونين الأسود والأصفر التي ميزت بناءه.
وتعرض القصر لأضرار وحرائق خلال الغزو المغولي لدمشق بقيادة تيمورلنك عام 1401، قبل أن يشهد أعمال ترميم وإعادة استخدام في مراحل تاريخية لاحقة.
ومع دخول العثمانيين إلى دمشق عام 1516، اكتسب الموقع أهمية جديدة، إلى أن أمر السلطان سليمان القانوني بإنشاء مجمع ديني واجتماعي متكامل يحمل اسمه، ويضم مرافق للعبادة والتعليم وإيواء المسافرين وخدمة الحجاج والفقراء.
وجاء إنشاء التكية ضمن نظام الأوقاف الذي اعتمد على تخصيص المنشآت والموارد لتقديم خدمات دينية واجتماعية بصورة مستمرة، ما منح المجمع وظائف متعددة تجاوزت حدود المسجد.
ستة أعوام من البناء وتصميم معمار سنان
بدأ تشييد التكية السليمانية نحو عام 1554، واستمرت أعمال البناء حتى عام 1559، وفق تصميم يُنسب إلى المعماري العثماني الشهير معمار سنان، أحد أبرز مهندسي العمارة الإسلامية خلال القرن السادس عشر.
وتذكر المصادر التاريخية أسماء مهندسين أشرفوا على تنفيذ المشروع، من بينهم ملا آغا وشهاب الدين بن العطار، في إطار الأعمال التي استهدفت إنشاء مجمع عمراني متكامل.
وشمل المشروع المسجد والمرافق الخدمية والغرف والأروقة والباحات، قبل أن تُلحق به المدرسة السليمية التي اكتمل بناؤها عام 1566، لتصبح التكية مركزاً دينياً وتعليمياً واجتماعياً.
وتبلغ مساحة المجمع نحو 11 ألف متر مربع، ويتألف من قسمين رئيسيين هما التكية الكبرى والتكية الصغرى، ويضم منشآت متعددة توزعت بين المساجد والمدرسة والغرف والمرافق الخدمية والأسواق.
وقد أتاح هذا التخطيط الجمع بين الأنشطة الدينية والتعليمية والخدمية ضمن مساحة واحدة، بما يتناسب مع طبيعة المؤسسات الوقفية في تلك المرحلة.
عمارة عثمانية بتفاصيل دمشقية
تتميز التكية السليمانية بطراز معماري يجمع بين التخطيط العثماني والعناصر الفنية المحلية، ويظهر ذلك في استخدام الحجر والزخارف المعمارية والأبواب والنوافذ والأروقة والقباب المتعددة.
ويبرز مسجد التكية الكبرى بمئذنتيه النحيلتين اللتين تشكلان من أبرز معالم المجمع، إلى جانب القباب التي تغطي أجزاء من البناء، والباحات الداخلية المحاطة بالأروقة.
وتتوسط بعض ساحات التكية أحواض وبرك مائية ارتبطت باستخدامات الوضوء والخدمات اليومية، فيما تتوزع حولها غرف وقاعات مسقوفة بقباب صغيرة، تربط بينها ممرات وأروقة توفر الحركة بين أجزاء المجمع.
وتعكس هذه العناصر طبيعة التخطيط المعماري الذي راعى الوظائف الدينية والاجتماعية، من خلال تخصيص مساحات للصلاة والتعليم والإقامة والخدمات، مع المحافظة على الترابط بين مختلف المرافق.
كما أسهمت التفاصيل الحجرية والخشبية والزخرفية في منح التكية طابعها المعماري المميز، الذي جعلها إحدى أبرز الشواهد على العمارة العثمانية في دمشق.
محطة للحجاج وملاذ للمحتاجين
أدت التكية السليمانية منذ تأسيسها دوراً مهماً في استقبال قوافل الحجاج المتجهة إلى مكة المكرمة، إذ وفرت أماكن للاستراحة والإقامة، إلى جانب الطعام والخدمات الضرورية للمسافرين.
وضم المجمع مطابخ ومخابز وغرفاً ومرافق للوضوء والصلاة، وكانت خدماته تشمل الحجاج وعابري السبيل والفقراء والمحتاجين، ضمن منظومة الوقف الإسلامي.
وشكلت هذه الوظائف جانباً أساسياً من الحياة الاجتماعية للتكية، التي استقبلت زواراً ومسافرين من مناطق مختلفة، وأسهمت في تقديم خدمات الإيواء والإطعام والرعاية.
كما ارتبط دورها الاجتماعي بموقع دمشق على طرق قوافل الحج، وما تطلبه ذلك من منشآت قادرة على استقبال أعداد من المسافرين وتأمين احتياجاتهم.
المدرسة السليمية ودور التكية العلمي
إلى جانب وظائفها الدينية والاجتماعية، احتضنت التكية السليمانية أنشطة تعليمية ارتبطت بالمدرسة السليمية الملحقة بها، والتي اكتمل بناؤها عام 1566.
واستقبلت المدرسة طلاب العلوم الشرعية، وشهدت حلقات للتدريس وتحفيظ القرآن الكريم، بما عزز مكانة المجمع مركزاً للعلم والعبادة.
وأسهم اجتماع المسجد والمدرسة ومرافق الإقامة والخدمات في توفير بيئة تجمع بين التعليم والرعاية الاجتماعية، ضمن نموذج المؤسسات الوقفية التي انتشرت في المدن الإسلامية.
واستمر ارتباط التكية بالتعليم خلال مراحل تاريخية لاحقة، وإن اختلفت طبيعة الأنشطة التي احتضنتها مرافقها تبعاً للتحولات السياسية والاجتماعية.
تحولات في الاستخدام خلال القرن العشرين
شهدت التكية السليمانية تغيرات في وظائف بعض مرافقها خلال القرن العشرين، ولا سيما في فترة الانتداب الفرنسي، حين استُخدمت أجزاء من المجمع لأغراض تعليمية وخدمية مختلفة.
وفي عام 1923، تحولت المدرسة الملحقة بالتكية إلى دار للمعلمين، ثم استُخدمت بعض مرافقها في أنشطة تعليمية أخرى، من بينها تدريس طب الأسنان.
كما استضافت التكية عائلات فلسطينية لجأت إلى دمشق عقب نكبة عام 1948، في امتداد لوظيفتها التاريخية المرتبطة بالإيواء وتقديم المساعدة للمحتاجين.
وخلال العقود التالية، برز الدور الحرفي والثقافي للمجمع، مع تخصيص أجزاء منه للصناعات التقليدية، ليصبح مقصداً للحرفيين والزوار والسياح.
سوق المهن اليدوية وذاكرة الحرف الدمشقية
اكتسب سوق المهن اليدوية في التكية السليمانية أهمية خاصة منذ سبعينيات القرن الماضي، بعدما احتضن حرفاً وصناعات تقليدية ارتبطت بالتراث الدمشقي.
وشملت المنتجات المعروضة الأعمال النحاسية والحفر على الخشب والمشغولات اليدوية وغيرها من الصناعات التي حافظ عليها حرفيون توارثوا خبراتها عبر الأجيال.
وتحول السوق إلى مساحة لعرض المنتجات التقليدية والتعريف بأساليب صناعتها، فضلاً عن دوره في توفير فرص العمل للحرفيين واستقطاب الزوار المهتمين بالتراث المحلي.
وأسهم هذا النشاط في توسيع الوظيفة الثقافية والسياحية للتكية، إلى جانب مكانتها الدينية والتاريخية، إذ أصبح السوق جزءاً من الهوية العامة للمجمع وارتباطه بالحياة اليومية في دمشق.
إخلاء الحرفيين خلال حكم النظام البائد
تعرض سوق المهن اليدوية التابع للتكية السليمانية لتغيرات خلال سنوات حكم النظام السابق، بعدما طُلب من الحرفيين إخلاء محالهم والانتقال إلى مواقع أخرى بذريعة تنفيذ أعمال الترميم.
وبحسب تقارير صحفية تناولت القضية، أُلغيت عقود حرفيين وأُخليت عشرات المحال، ما أدى إلى توقف نشاط عدد من العاملين في السوق التاريخي أو انتقالهم إلى أماكن بديلة.
وأثارت هذه الإجراءات مخاوف بشأن مستقبل السوق وهويته الحرفية، وسط تساؤلات عن احتمال تحويل بعض مرافقه إلى مشاريع استثمارية على حساب الأنشطة التقليدية التي ارتبطت بالمكان لعقود.
وتجاوزت آثار الإخلاء فقدان الحرفيين مواقع عملهم داخل المجمع، لتشمل انقطاع الصلة بين الحرف التقليدية ومكان عرضها التاريخي، وما يرتبط بذلك من حضور ثقافي وسياحي.
وأصبحت قضية الحرفيين جزءاً من النقاش حول إعادة تأهيل التكية، وضرورة الحفاظ على وظائفها الاجتماعية والثقافية بالتوازي مع ترميم منشآتها المعمارية.
مشروع الترميم وإعادة التأهيل
شهدت التكية السليمانية خلال عامي 2025 و2026 أعمال ترميم وتأهيل استهدفت معالجة الأضرار التي لحقت بأجزاء من المجمع، والحفاظ على عناصره المعمارية والتاريخية.
وفي كانون الأول 2025، أطلقت المديرية العامة للآثار والمتاحف مشروع استكمال تأهيل التكية، استكمالاً لأعمال بدأت مطلع العام نفسه، بهدف صون المبنى الأثري وإعادة تأهيل مرافقه مع مراعاة خصوصيته المعمارية.
وشملت الأعمال أجزاء مختلفة من المجمع، بينها مرافق مرتبطة بسوق الحرف اليدوية وسوق الزجاج، ضمن مشروع يهدف إلى الحفاظ على الموقع وإعادة تفعيل استخداماته.
كما عُقد اجتماع موسع ضم وزيري السياحة والأوقاف وممثلين عن الجهات المعنية ومنظمة التنمية السورية، لبحث الجدول الزمني لاستكمال التأهيل وإعادة افتتاح التكية الكبرى وجزء من سوق المهن اليدوية.
وتناول الاجتماع تأمين الموارد المالية اللازمة لمتابعة المشروع، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الطابع التاريخي والمعماري للمجمع خلال أعمال الترميم.
افتتاح المسجد بعد نحو 15 عاماً
في 31 تشرين الأول 2026، افتتح وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري مسجد التكية السليمانية، بعد نحو 15 عاماً من إغلاقه، بحضور وزراء المالية والثقافة والسياحة ومحافظ دمشق وعدد من أعضاء مجلس الإفتاء الأعلى.
وقال وزير الأوقاف خلال الافتتاح إن التكية تمثل معلماً حضارياً وصرحاً علمياً واجتماعياً، مشيراً إلى دور الوقف الإسلامي في دمشق على مدى نحو خمسة قرون في التكافل المجتمعي وإطعام المحتاجين ورعاية قوافل الحجاج.
وأوضح أن إعادة افتتاح المسجد ستتيح استئناف إقامة الصلوات الخمس، إلى جانب تخصيص غرف لحلقات تحفيظ القرآن الكريم والمجالس العلمية.
كما أعلن التوجه إلى إحداث مكان للإفتاء الشرعي للإجابة عن أسئلة المواطنين والزوار، وإنشاء متحف توثيقي يعرض التاريخ الوقفي والإنساني للمجمع.
وتعكس هذه الخطط توجهاً لإعادة تفعيل الوظائف الدينية والتعليمية للتكية، والاستفادة من مرافقها في التعريف بتاريخها ودورها الاجتماعي.
من جهته، أكد وزير الثقافة محمد ياسين الصالح أن إعادة افتتاح المسجد تمثل استعادة لأحد معالم دمشق التاريخية، مشدداً على أهمية صون الهوية والتراث، وتكامل جهود المؤسسات المعنية بالحفاظ عليهما.
استعادة الهوية الدينية والحرفية للتكية
تعيد افتتاح مسجد التكية السليمانية إلى الواجهة أهمية استكمال تأهيل بقية مرافق المجمع، ولا سيما سوق المهن اليدوية الذي ارتبط بالحرفيين والصناعات التقليدية لعقود.
فالحفاظ على التكية يتصل بصيانة مبانيها وزخارفها وعناصرها الأثرية، إلى جانب صون الوظائف التي ارتبطت بها تاريخياً، من العبادة والتعليم إلى الخدمات الاجتماعية والأنشطة الحرفية.
وتبرز في هذا السياق قضية الحرفيين الذين أُخلوا من السوق خلال حكم النظام السابق، وما يرتبط بها من مطالب بإعادة الاعتبار إلى الأنشطة التقليدية وحماية استمراريتها داخل الموقع التاريخي.
كما يمثل استئناف الأنشطة الدينية والعلمية، والتوجه إلى إنشاء متحف يوثق تاريخ المجمع، فرصة لتعريف الزوار بالأدوار المتعددة التي أدتها التكية منذ القرن السادس عشر.
وتبقى استعادة سوق المهن اليدوية والحفاظ على طابعه التقليدي من الجوانب المهمة في أي مشروع يسعى إلى إعادة إحياء المجمع بوصفه معلماً دينياً وثقافياً وسياحياً متكاملاً.
خمسة قرون من تاريخ دمشق
تحمل التكية السليمانية تاريخاً يمتد لنحو خمسة قرون، شهدت خلالها تحولات في وظائفها واستخداماتها، مع استمرار حضورها ضمن المشهد العمراني والثقافي للعاصمة دمشق.
فمن موقع ارتبط بقصر الأبلق في العهد المملوكي، إلى مجمع عثماني خُصص للعبادة والتعليم وخدمة الحجاج والمحتاجين، ثم مركز للأنشطة التعليمية والحرف التقليدية، حافظت التكية على مكانتها ضمن المعالم التاريخية للمدينة.
ومع إعادة افتتاح مسجدها بعد سنوات من الإغلاق، تستعيد التكية جانباً من وظائفها الأصلية، فيما يرتبط اكتمال تأهيلها بمستقبل بقية مرافقها، وفي مقدمتها الأسواق والحرف التي شكلت جزءاً من هويتها الاجتماعية.
ويشكل الحفاظ على هذا الإرث المعماري والإنساني مسؤولية تتطلب استمرار أعمال الصيانة والتأهيل، وحماية الأنشطة التاريخية المرتبطة بالمكان، بما يضمن بقاء التكية السليمانية شاهداً على تاريخ دمشق وتنوع موروثها الحضاري.