الباحث أحمد أبازيد: أزمة المحروقات كشفت احتقاناً أوسع يرتبط بالشرعية والسياسات الاقتصادية وأولويات الدولة
الباحث أحمد أبازيد: أزمة المحروقات كشفت احتقاناً أوسع يرتبط بالشرعية والسياسات الاقتصادية وأولويات الدولة
● محليات ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦

الباحث أحمد أبازيد: أزمة المحروقات كشفت احتقاناً أوسع يرتبط بالشرعية والسياسات الاقتصادية وأولويات الدولة

اعتبر الباحث والكاتب أحمد أبازيد أن الاحتجاجات التي أعقبت رفع أسعار المحروقات لا تمثل حدثاً منفصلاً نتج عن قرار اقتصادي واحد، وإنما جاءت، وفق رؤيته، ضمن مسار من الاحتقان ظهرت مؤشراته خلال الأشهر الماضية، محذراً من أن استمرار الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية المنتجة للغضب قد يقود إلى موجات احتجاج أوسع.

وقال أبازيد، في قراءة مطولة بعنوان "لماذا تأخر الانفجار؟"، إن قرار المحروقات ربما شكل الشرارة المباشرة للاحتجاجات، لكنه رأى أن المشكلة تتجاوز وزير الطاقة والقرار نفسه إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، والرؤية السياسية والاقتصادية التي تُتخذ على أساسها القرارات العامة.

الشرعية والمرحلة الانتقالية

رأى أبازيد أن سوريا تعيش مرحلة انتقالية يفترض أن تتركز مهمتها على تهيئة الظروف لبناء نظام سياسي مستدام، منتقداً ما وصفه بغياب التمهيد لانتخابات مباشرة وضعف فتح المجال أمام الحياة السياسية والمدنية المنظمة، إضافة إلى محدودية التمثيل الشعبي في المجالس المحلية والنقابات والجمعيات والمؤسسات السياسية.

وطرح تساؤلات بشأن الكيفية التي يمكن من خلالها إعادة إنتاج الشرعية واستدامتها في دولة جمهورية، معتبراً أن "شرعية النصر" يمكن أن تؤسس للحظة سياسية، لكنها لا تكفي، وفق رأيه، لبناء حكم مستدام من دون مشاركة وتمثيل شعبيين.

وأشار إلى أن خصوصية المرحلة الانتقالية يمكن أن تبرر ترتيبات سياسية مؤقتة، شريطة أن تقترن، بحسب طرحه، بمسار واضح لبناء مؤسسات دائمة تستمد شرعيتها من المجتمع، محذراً من أن غياب هذا المسار قد يعمق شعور شرائح من السوريين بالتهميش والاستبعاد من عملية صنع القرار.

انتقادات للسياسة الاقتصادية

انتقد أبازيد مستوى الشفافية في إدارة الملفات الاقتصادية والمالية، وقال إن النقاش العام يفتقر إلى أرقام مستقرة ومعلومات كافية بشأن ميزانية الدولة والصندوق السيادي وأوجه الإنفاق، معتبراً أن الأولويات الاقتصادية الظاهرة لا تتوافق في بعض الملفات مع الاحتياجات الأكثر إلحاحاً لدى السوريين.

ورأى أن التركيز على الجباية والمشاريع الاستثمارية الكبرى، مقابل بطء التعافي وإعادة الإعمار في المناطق الأكثر تضرراً، يخلق انطباعاً لدى شرائح اجتماعية بأن السياسات الاقتصادية تمنح الأولوية للاستثمارات والطبقات الأعلى دخلاً على حساب احتياجات الفئات الأكثر تضرراً من سنوات الحرب في سوريا.

وانتقد كذلك تحويل بعض المساحات العامة ومواقع التنزه إلى مشاريع استثمارية، مستشهداً بسفح قاسيون والجندي المجهول وبعض الحدائق والبساتين، ومعتبراً أن مثل هذه السياسات تساهم في تعزيز الشعور بتراجع المساحات المتاحة لعامة السكان لمصلحة الاستثمار الخاص.

وتناول أبازيد النقاش المتعلق بالدعم ودور الدولة في الاقتصاد، رافضاً الطروحات التي تعتبر تقليص تدخل الدولة معياراً للتقدم الاقتصادي، ومستشهداً بتجارب دول أوروبية تعتمد مستويات واسعة من التدخل الحكومي والضمان الاجتماعي، ومطالباً بموازنة تشجيع الاستثمار مع حماية المستهلك وتأمين الخدمات الأساسية والعدالة الاجتماعية.

العقارات وإعادة الإعمار

ركز أبازيد على ملفات الاستملاك والعقارات بوصفها من أكثر القضايا حساسية، وقال إن السوريين ورثوا مظالم واسعة مرتبطة بسياسات الاستملاك التي اتبعها نظام الأسد البائد، منتقداً استمرار التعامل مع بعض العقارات المستملكة باعتبار أوضاعها السابقة أمراً واقعاً، ومنح بعضها لمشاريع استثمارية خارجية، وفق ما أورده في مقاله.

كما تحدث عن المناطق المدمرة في القابون وجوبر وجنوب دمشق وداريا، مشيراً إلى وجود خلافات ومفاوضات بين الأهالي والجهات المحلية بشأن مستقبل العقارات ونسب الملكية وآليات إعادة التنظيم والإعمار.

واعتبر أن التعامل مع هذه المناطق بمنطق الفرص الاستثمارية قبل حسم حقوق أصحابها قد يعيد إنتاج مظالم جديدة، محذراً من أن ملفات الاستملاك وإعادة الإعمار قادرة بمفردها، إذا لم تعالج بشفافية وعدالة، على توليد موجات واسعة من الغضب، ولا سيما في دمشق ومحيطها.

وأشار إلى مفارقة يراها المواطن بين الإعلان عن مشاريع بمبالغ كبيرة وتنظيم الفعاليات والافتتاحات واستقبال المستثمرين، وبين مطالبة سكان المناطق المدمرة بالصبر بسبب محدودية الموارد، معتبراً أن هذه الصورة تؤثر في نظرة المجتمع إلى أولويات الإنفاق والسياسات الحكومية.

المشكلة في ترتيب الأولويات

أقر أبازيد بحجم التحديات الاقتصادية التي تواجه سوريا، وبأن موارد الدولة وحدها غير قادرة على تمويل عملية التعافي وإعادة الإعمار في بلد تعرض لدمار واسع، لكنه رأى أن النقاش يجب ألا يقتصر على حجم الأموال المتاحة، وإنما يشمل طريقة تحديد الأولويات وتوزيع الموارد والاستثمارات ومدى مشاركة المجتمع في القرارات المرتبطة بالأصول العامة.

وحذر من أن تراكم مظالم الاستملاك وتعثر إعادة الإعمار وغياب التنمية في بعض المناطق والشعور بالتهميش وانسداد الأفق الاقتصادي، يمكن أن يجعل أي قرار معيشي جديد نقطة انطلاق للاحتجاج، حتى عندما يكون للقرار مبررات اقتصادية أو مالية تقدمها الحكومة.

واعتبر أن الأزمة تكمن، من وجهة نظره، في وجود بنية سياسية واقتصادية غير مستقرة تجعل القرارات الجزئية قابلة لإنتاج ردود فعل أكبر من نطاقها المباشر، داعياً إلى إيجاد مؤسسات سياسية ومدنية ونقابية قادرة على نقل الاعتراض من الشارع إلى مساحات النقاش والتمثيل المؤسسي.

السوشال ميديا لا تعكس الشارع دائماً

انتقد أبازيد الاعتقاد بإمكانية إدارة الرأي العام من خلال منصات التواصل الاجتماعي والإعلام المساند والمؤثرين والحملات الإلكترونية، مشيراً إلى أن انتشار "ترند" على المنصات لا يعني بالضرورة أنه يعكس أولويات المجتمع أو المزاج الحقيقي في الشارع.

واستشهد بأحداث عين منين باعتبارها، وفق قراءته، مثالاً على قضية محلية لم تحظ بحضور واسع على مواقع التواصل، لكنها تحولت على الأرض إلى احتجاجات وصدامات واعتقالات واستقالات، معتبراً أن الاحتجاجات الأخيرة بعد قرار المحروقات ظهرت سريعاً بصورة لم تسمح، بحسب رأيه، بتفسيرها حصراً بالتحريض الإلكتروني أو الاستثمار السياسي للقرار.

ورأى أن مواجهة الغضب الاجتماعي عبر الاتهامات والتخوين والحملات الافتراضية لا تعالج الأسباب التي تدفع الناس إلى الاحتجاج، مشيراً إلى أن رصد التحركات الاحتجاجية خلال الفترة الماضية يظهر، وفق متابعته، اتجاهاً تصاعدياً ينبغي التعامل معه باعتباره مؤشراً يستحق النقاش.

وخلص أبازيد إلى أن أزمة المحروقات كشفت، من وجهة نظره، مشكلات أوسع من قرار التسعير، داعياً إلى نقاش وطني عام تشارك فيه المؤسسات السياسية والمدنية والثقافية والمجتمعية، بهدف معالجة الملفات المتراكمة وبناء آليات للتمثيل والمشاركة، وتجنب وصول الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى موجات جديدة من الاضطراب والفوضى.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ