أصالة على مسرح دمشق بعد سنوات الغياب.. عودة فنانة تمسكت بموقفها من الثورة
أصالة على مسرح دمشق بعد سنوات الغياب.. عودة فنانة تمسكت بموقفها من الثورة
● محليات ٦ سبتمبر ٢٠٢٦

أصالة على مسرح دمشق بعد سنوات الغياب.. عودة فنانة تمسكت بموقفها من الثورة

أعلنت وزارة الثقافة أن الفنانة أصالة نصري ستحيي في 17 أيلول/سبتمبر الجاري حفلاً غنائياً في صالة الفيحاء بالعاصمة دمشق، برعاية الوزارة، في أول ظهور فني لها على مسارح مدينتها بعد سقوط نظام الأسد البائد، في خطوة تحمل دلالات فنية ووطنية، وتعيد إلى الواجهة مسيرة فنانة ارتبط اسمها بموقف واضح من الثورة السورية منذ انطلاقتها عام 2011.

وقال وزير الثقافة محمد ياسين الصالح إن الدولة السورية الجديدة ترحّب بأبنائها وبناتها لتقديم إبداعاتهم، مشيراً إلى أن أصالة تمسكت بموقفها الداعم لثورة الشعب السوري منذ الأيام الأولى، وقدمت خلال السنوات الماضية مواقف ومبادرات إنسانية، بينها التبرع بمجوهراتها لصالح جهود إغاثة السوريين في بدايات الثورة.

وأوضح الصالح، في تدوينة عبر حسابه على منصة "X"، أن وزارة الثقافة تستعد كذلك لرعاية ألبوم أصالة الجديد، الذي يحمل، وفق ما ذكره، مضامين تتصل بالحنين والفرح والأمل بعودة المهجرين والنازحين إلى أرضهم، إلى جانب استحضار جوانب من الثقافة والتراث السوري من خلال اللهجات والتقاليد والألوان الطربية التي تميز مناطق سورية مختلفة، من دمشق وحلب والساحل وحمص ودرعا والسويداء، وصولاً إلى الحسكة والرقة ودير الزور.

وأكدت وزارة الثقافة عبر معرفاتها الرسمية أن عودة أصالة إلى دمشق تأتي امتداداً لموقف وطني تمسكت به منذ الأيام الأولى للثورة السورية، ووقوفها إلى جانب أبناء شعبها، وما قدمته من مواقف ومبادرات إنسانية بقيت حاضرة في ذاكرة السوريين، معتبرة أن الحفل يأتي ضمن توجه الوزارة للاحتفاء بالمبدعين السوريين وفتح المساحات أمام طاقاتهم الفنية والثقافية بما يعكس تنوع الإرث السوري.

وتحمل عودة أصالة إلى خشبة مسرح في دمشق بعد سنوات طويلة من الغياب دلالة خاصة بالنسبة إلى فنانة ولدت في العاصمة السورية، وهي ابنة الفنان مصطفى نصري، وبدأت الغناء في سن مبكرة، قبل أن يتحول اسمها إلى واحد من أبرز الأسماء السورية والعربية في مجال الغناء.

وبعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، أعلنت أصالة تأييدها لمطالب السوريين وموقفها الرافض لسياسات النظام السابق في التعامل مع الاحتجاجات، لتدخل منذ ذلك الحين في مواجهة مفتوحة مع مؤسسات النظام ووسائل إعلامه وعدد من الفنانين الموالين له، الأمر الذي جعلها عرضة لحملات تخوين وهجوم واسعة.

ولم يقتصر ثمن موقفها على الحملات الإعلامية، إذ غادرت أصالة سوريا ولم تتمكن من العودة إليها لسنوات، كما جرى فصلها من نقابة الفنانين السوريين، وحُظرت أغانيها من البث عبر إذاعة دمشق، في إجراءات ارتبطت بموقفها السياسي المعلن ودعمها للثورة السورية، بينما واصلت في المقابل نشاطها الفني والإنساني خارج البلاد، وخصصت جزءاً من ريع بعض حفلاتها لصالح جهود إغاثية مرتبطة بالسوريين.

وبقي موقف أصالة ثابتاً رغم سنوات القطيعة، لتتحول مع مرور الوقت إلى واحدة من أبرز الفنانات السوريات اللواتي دفعن ثمناً مباشراً بسبب مواقفهن من النظام السابق، في وقت اختار فيه فنانون آخرون الانحياز إلى السلطة أو الابتعاد عن الموقف السياسي خشية تبعاته.

وبعد سقوط نظام الأسد البائد في كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأت آثار تلك الإجراءات بالانحسار، وعادت أغاني أصالة إلى إذاعة دمشق بعد نحو 13 عاماً من الحظر، وهو ما احتفت به الفنانة عبر حسابها في "إنستغرام"، معلقة بعبارة: "سورية حرة، الحمد لله على سلامتك يا بلدي"، في تعبير عن ارتباط عودتها الفنية بعودة المساحة العامة التي حُرمت منها لسنوات.

وفي نيسان/أبريل 2025، اتخذت نقابة الفنانين السوريين خطوة إضافية في اتجاه إعادة الاعتبار لأصالة، بعدما قرر مجلس النقابة، برئاسة النقيب مازن الناطور، منحها عضوية النقابة بمرتبة الشرف، تقديراً لمسيرتها الفنية وموقفها الذي وصفه القرار بأنه موقف وطني حر تجاه قضايا شعبها ووطنها.

وجاء القرار بعد سنوات من إقصائها عن النقابة، ليشكل تحولاً رسمياً في التعامل مع الفنانة التي كانت قد تعرضت سابقاً للفصل بسبب مواقفها، ويضعها مجدداً ضمن المشهد الفني السوري بعد سنوات من الغياب القسري عن بلدها.

ولم تكتف أصالة بالتعبير عن فرحتها بسقوط النظام البائد وعودة السوريين إلى فضاء عام أكثر انفتاحاً، بل أطلقت عقب سقوط الأسد أغنية "سوريا جنة"، التي حملت رسالة محبة وسلام وتسامح بين السوريين، ودعت من خلالها إلى تجاوز آثار سنوات الحرب والتمسك بالتنوع الاجتماعي والثقافي الذي يميز البلاد.

وفي رسالتها المرافقة للأغنية، ركزت أصالة على فكرة أن السوريين، باختلاف دياناتهم وثقافاتهم ومناطقهم، يشكلون مجتمعاً واحداً، وأن التسامح يمثل الطريق إلى تجاوز الجراح وإعادة بناء البلاد، مستحضرة صورة سوريا بوصفها بلداً تاريخياً متنوعاً يجمع أبناءه رغم اختلافاتهم.

وخلال سنوات الثورة، لم تكن أصالة في مواجهة مباشرة مع مؤسسات النظام السابق فحسب، بل تعرضت كذلك لهجمات وانتقادات من عدد من الفنانين والإعلاميين بسبب مواقفها، في مقدمتهم أسماء فنية سورية معروفة، وهو ما عمّق حالة الانقسام داخل الوسط الفني السوري الذي شهد منذ عام 2011 اصطفافات حادة على خلفية الموقف من الثورة.

وتعيد هذه المحطات مجتمعة إلى الواجهة مسيرة أصالة التي لم تكن عودتها إلى دمشق مجرد عودة فنانة إلى مسرحها الأول، وإنما نهاية لسنوات من الغياب ارتبطت بموقف سياسي وإنساني دفعها إلى مغادرة بلدها وتحمل تبعات موقفها، قبل أن تستعيد حضورها الرسمي في المشهد الفني السوري بعد سقوط النظام السابق.

ومن المنتظر أن يشكل حفل 17 أيلول محطة لافتة في مسيرة أصالة، باعتباره أول حفل لها على مسارح دمشق بعد سنوات طويلة، وفي ظل رعاية رسمية من وزارة الثقافة، بما يعكس تحولاً في علاقة المؤسسات الثقافية السورية مع الفنانين الذين غادروا البلاد خلال سنوات الثورة والحرب.

وتأتي عودة أصالة في سياق أوسع تسعى خلاله وزارة الثقافة، بحسب ما أعلنته، إلى استعادة حضور الفنانين والمبدعين السوريين واحتضان نتاجهم، والاستفادة من الفن باعتباره مساحة للتعبير عن التحولات التي شهدتها البلاد، فيما يحمل ألبوم أصالة المرتقب، وفق تصريحات وزير الثقافة، ملامح من هذا التوجه عبر استحضار التنوع الموسيقي واللهجي والتراثي لمختلف المناطق السورية.

وبين حفل دمشق المرتقب، وعودة أغانيها إلى الإذاعة، ومنحها عضوية الشرف في نقابة الفنانين، تبدو مسيرة أصالة خلال المرحلة الجديدة مختلفة جذرياً عن السنوات التي سبقتها؛ فالفنانة التي غادرت سوريا على خلفية موقفها من الثورة، تعود اليوم إلى مدينتها لتغني على أحد مسارحها برعاية وزارة الثقافة، بعد سنوات من الغياب، حاملة معها ذاكرة مرحلة دفعت خلالها ثمناً شخصياً وفنياً لموقفها.

وتحضر أصالة اليوم في ذاكرة شريحة واسعة من السوريين بوصفها واحدة من الأصوات الفنية التي أعلنت موقفها مبكراً من الثورة، واستمرت في التعبير عن ارتباطها بسوريا رغم سنوات الاغتراب، فيما تمثل عودتها إلى دمشق بالنسبة لكثيرين لحظة تتقاطع فيها السياسة والفن والذاكرة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من حضور الفنانين السوريين الذين أبعدتهم مواقفهم عن بلدهم خلال السنوات الماضية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ