جمهورية الجباية.. تفاصيل سيطرة "أسماء الأسد" على مفاصل الاقتصاد السوري 
جمهورية الجباية.. تفاصيل سيطرة "أسماء الأسد" على مفاصل الاقتصاد السوري 
● اقتصاد ٢٣ مارس ٢٠٢٦

جمهورية الجباية.. تفاصيل سيطرة "أسماء الأسد" على مفاصل الاقتصاد السوري 

نشطت الدوريات الأمنية في أسواق دمشق وحلب مع مطلع عام 2016 بوتيرة غير مسبوقة، لفرض واقع اقتصادي جديد قادته أسماء الأسد، في مرحلة شهدت انتقال السيطرة من الواجهات التقليدية المرتبطة بالنظام إلى شبكة جديدة أكثر قرباً من القصر الجمهوري، وأكثر قدرة على فرض الجباية والاحتكار على مفاصل السوق السوري.

من طبقة التجار إلى شبكة الولاء
شكّلت طبقة التجار لعقود عصب الاقتصاد السوري، واستطاع جزء منها الاستمرار خلال الحرب في سوريا ضمن تفاهمات غير مكتوبة، لكن هذه المعادلة بدأت تتفكك تدريجياً بعد عام 2015، مع تصاعد الضغوط وظهور منافسين احتكروا استيراد سلع لا يُسمح لغيرهم باستيرادها، في سياق إعادة تشكيل مراكز النفوذ الاقتصادي داخل البلاد.

المكتب الاقتصادي السري
وكشف برنامج "الملف 404" الذي أنتجته منصة الجزيرة 360، في حلقة بعنوان "جمهورية الجباية" بثت في 21 آذار 2026، عن ما وصفه بالمكتب الاقتصادي السري الذي قادته أسماء الأسد للسيطرة على اقتصاد سوريا، وهو كيان غير معلن يتبع رئاسة الجمهورية، وتحوّل تدريجياً إلى مركز ثقل بديل أطاح بالوجوه القديمة وأفرز رجال أعمال وموظفين يدينون بالولاء المباشر لسيدة القصر.

إدارة الجباية من خلف الستار
أدار هذا المكتب، وفق ما عرضه البرنامج، نمطاً جديداً من الاقتصاد القائم على الإتاوات والضغط الأمني، حيث لم يعد رجال الأعمال الجدد يعملون كتجار بالمعنى التقليدي، بل كمنفذين لتعليمات تصلهم من بشار الأسد أو أسماء الأسد، ثم يتحركون لفرضها على السوق، في محاولة للتحكم بالاقتصاد وخلق أوعية مالية جديدة مرتبطة بالقصر.

ابتزاز التجار
اعتمدت هذه المنظومة على ابتزاز التجار وإرغامهم على دفع الأموال تحت عناوين مختلفة، مثل دعم الليرة السورية أو التبرع للأفرع الأمنية، فيما أشار البرنامج إلى أن 3400 تاجر تعرضوا للابتزاز في فرع الخطيب الأمني، مع إيصال رسالة واضحة لهم بأن لا جهة يمكنها التدخل في هذا الملف سوى أسماء الأسد نفسها، بما يعكس حجم النفوذ الذي باتت تمارسه داخل البنية الاقتصادية والأمنية للنظام.

شبكة الواجهة الاقتصادية
أظهر تحليل البرنامج لشبكات العقوبات الأمريكية والأوروبية والبريطانية وجود شبكة من رجال الأعمال والكيانات الاقتصادية شكّلت الذراع الخفية لهذا المشروع، وكان في مقدمتها يسار إبراهيم، الذي وصفته وزارة الخزانة الأمريكية بأنه المحفظة الاقتصادية الشخصية لأسماء الأسد، إلى جانب شخصيات أخرى لعبت أدواراً تنظيمية وتنفيذية وإعلامية ضمن هذه المنظومة.

صعود خضر علي طاهر
برز خضر علي طاهر، المعروف باسم "أبو علي خضر"، بوصفه الواجهة التنفيذية الأبرز للمكتب الاقتصادي، بعدما انتقل من تجارة الدواجن إلى موقع متقدم داخل شبكة النفوذ الجديدة، مستفيداً من غطاء أمني وعلاقات مباشرة مع مراكز القوة العسكرية والأمنية، الأمر الذي أتاح له توسيع نشاطه وجمع الإتاوات عبر الحواجز والمعابر الداخلية.

غطاء أمني وشركات متعددة
أشارت المعطيات التي عرضها البرنامج إلى أن خضر علي طاهر حصل على غطاء أمني مكّنه من التمدد في قطاعات متعددة، كما أسس عام 2017 شركة "القلعة" للحماية والحراسة والخدمات الأمنية، التي وفّرت المظلة اللازمة لعملياته، قبل أن تتوسع شبكته إلى السياحة، والإعلام، والاتصالات، والمقاولات، والنقل، والتخليص الجمركي، عبر شركات اعتبرها التحليل أدوات لإدارة الأموال أكثر من كونها كيانات تجارية مستقلة.

ملامح التمدد المنظم
كشف البرنامج أن الشركات المرتبطة بخضر علي طاهر اتسمت بخمس خصائص لافتة، تمثلت في تشابه الأسماء، وانخفاض رؤوس الأموال عند التأسيس، والتنوع غير المعتاد في مجالات العمل، وغياب الشركاء الحقيقيين أو وجودهم بنسب رمزية، فضلاً عن إدراج معظمها لاحقاً على قوائم العقوبات الغربية، وهو ما يعزز صورة الاقتصاد الموازي الذي بُني لخدمة القصر لا لخدمة السوق.

اقتصاد حماية لا اقتصاد دولة
تكشف هذه المعطيات أن ما قادته أسماء الأسد لم يكن مجرد توسع نفوذ داخل مؤسسات النظام، بل عملية إعادة هندسة للاقتصاد السوري على قاعدة الولاء والجباية والاحتكار، حيث جرى تهميش الفاعلين التقليديين، وإحلال شبكة جديدة مكانهم، تعمل تحت الحماية الأمنية وتستخدم مؤسسات الدولة وأجهزتها كأدوات للضغط والتحصيل والسيطرة.

خاتمة المشهد
يظهر من التحقيق أن اقتصاد سوريا في سنواته الأخيرة تحت حكم نظام الأسد البائد لم يعد اقتصاداً تديره مؤسسات أو قوانين، بل شبكة مغلقة تدار من خلف الستار، تتداخل فيها الأجهزة الأمنية مع المصالح التجارية ومع نفوذ القصر، في مشهد يحوّل الدولة إلى أداة جباية منظمة، ويجعل من أسماء الأسد أحد أبرز مهندسي هذه المنظومة التي أحكمت قبضتها على الأسواق والتجار ومفاصل المال في البلاد.

المصدر: الجزيرة نت الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ