فجوة بين تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية.. وجهود رقابية لضبط الأسواق
فجوة بين تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية.. وجهود رقابية لضبط الأسواق
● اقتصاد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦

فجوة بين تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية.. وجهود رقابية لضبط الأسواق

تواجه الأسر السورية ضغوطاً متزايدة نتيجة الفجوة بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة، في وقت تشهد فيه الأسواق تفاوتاً في أسعار بعض السلع والخدمات، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل.

في المقابل، تشير الجهات الحكومية إلى استمرار العمل على تعزيز الرقابة التموينية ومتابعة الأسواق في مختلف المحافظات، إلى جانب إجراءات تستهدف تأمين المواد الأساسية والحد من المخالفات والاتجار غير المشروع بالمواد المدعومة.

وبحسب بيانات برنامج الأغذية العالمي بلغت تكلفة المكوّن الغذائي لسلة الحد الأدنى للإنفاق لأسرة مؤلفة من 5 أشخاص نحو 16,825 ليرة سورية جديدة في حزيران 2026، فيما بلغت تكلفة السلة كاملة نحو 26,551 ليرة.

ويقابل ذلك حد أدنى رسمي للأجر الشهري يبلغ 12,560 ليرة سورية جديدة، وفق الأرقام الواردة في التقرير وتشير هذه الأرقام إلى وجود فجوة بين الدخل وتكاليف الاحتياجات الأساسية، مع اختلاف النتائج بحسب منهجية احتساب السلة الغذائية ومستوى الإنفاق الفعلي للأسر.

وفي هذا السياق، طرح الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور "ياسين العلي" تقديراً شخصياً، وليس إحصائية رسمية، يفترض أن تكلفة سلة غذائية شهرية لأسرة من 5 أشخاص قد تصل إلى نحو 80 ألف ليرة، داعياً بصورة غير مباشرة إلى التمييز بين السلة المعيارية والسلة التي تعكس الاستهلاك الفعلي للأسر.

كما قدّم الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور "إبراهيم نافع قوشجي" تقديراً يتراوح بين 78 و79 ألف ليرة شهرياً لتغطية الاحتياجات الأساسية جداً لأسرة من خمسة أفراد، بينما قد يصل الإنفاق المطلوب لمستوى معيشة مقبول، بحسب تقديره، إلى ما بين 115 و125 ألف ليرة شهرياً وتبقى هذه التقديرات آراء وتحليلات اقتصادية، وليست بيانات رسمية موحدة لقياس تكلفة المعيشة.

الطاقة والإنتاج وانعكاساتهما على الأسعار

وتبرز تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج ضمن العوامل التي يتحدث عنها اقتصاديون وممثلون عن قطاعات إنتاجية عند تفسير تحركات الأسعار.

وفي قطاع الألبان والأجبان، قال أمين سر الجمعية الحرفية لصناعة الألبان والأجبان بدمشق "أحمد السواس" إن الأسعار ارتفعت، بحسب تقديره، بنحو 3% مؤخراً عقب ارتفاع سعر المازوت، إضافة إلى ارتفاع سابق بنحو 7% خلال الشهرين الماضيين، ليصل إجمالي الارتفاع الذي تحدث عنه إلى نحو 10%.

وأوضح أن ارتفاع أسعار الحليب ومشتقاته خلال الفترة السابقة لم يكن مرتبطاً بالمحروقات وحدها، بل أرجعه أيضاً إلى زيادة استجرار معامل تصنيع الألبان والأجبان للحليب بهدف التصدير، ولا سيما إلى دول الخليج، الأمر الذي قال إنه أدى إلى انخفاض الكميات المتاحة للسوق المحلية وارتفاع أسعار الحليب ومشتقاته.

وأشار إلى أن نحو 85% من الحرفيين في هذا القطاع يعتمدون على المازوت في عملية التصنيع، مضيفاً أن ارتفاع تكاليف الإنتاج تزامن مع ضعف القوة الشرائية، ما حدّ، وفق تصريحه، من قدرة الحرفيين على رفع الأسعار بصورة أكبر، في حين تراجعت حركة البيع والشراء نتيجة ارتفاع الأسعار.

فيما لا تعني زيادة تكاليف الطاقة بالضرورة انتقالها بالكامل وبالنسبة نفسها إلى أسعار السلع، إذ تتداخل في تحديد السعر النهائي عوامل أخرى، بينها تكلفة المواد الأولية، والإنتاج، والاستيراد، وسعر الصرف، والنقل، والتوزيع، وحجم الطلب.

تفاوت الأسعار وضرورة ضبط هوامش الربح

وفي سوق الوجبات الجاهزة، أشار أمين سر جمعية حماية المستهلك "عبد الرزاق حبزة" إلى أن انخفاض أسعار الفروج الحي وأجزائه لم ينعكس، بحسب تصريحه، على أسعار الوجبات الجاهزة والشاورما والفروج المشوي والبروستد.

وطالب حبزة بتكثيف الجولات الرقابية على هذه المنشآت، وتحديد الكلفة الحقيقية للوجبات ونسب الأرباح، كما تحدث عن تفاوت كبير في الأسعار بين المناطق، مقدراً أن أرباح بعض المطاعم قد تتجاوز 100% وتصل إلى 150% في بعض المناطق الراقية بدمشق.

الرقابة التموينية في مختلف المحافظات

وفي الجانب الرقابي، أكد مدير حماية المستهلك وسلامة الغذاء في وزارة الاقتصاد والصناعة "حسن الشوا"، أن الجولات الميدانية الأخيرة أظهرت، بحسب الوزارة، استقراراً عاماً في حركة الأسواق والأسعار، مع عدم تسجيل ارتفاعات ملحوظة أو غير مبررة في المواد الأساسية حتى وقت التصريح.

وذكر الشوا أن الوزارة وجهت مديريات حماية المستهلك في جميع المحافظات إلى تكثيف الحملات الرقابية ومتابعة حركة الأسواق، فيما تعتمد دائرة الأسعار على آلية السبر السعري لتحديد متوسطات استرشادية على مستوى المحافظات، قبل أن تتولى الأجهزة الرقابية المتابعة الميدانية وتنظيم الضبوط بحق المخالفين.

وتظهر هذه الجهود في عدد من المناطق والمحافظات من خلال إجراءات مختلفة، وشملت الجولات الرقابية متابعة استخدام نظام QR، والتحقق من صلاحية المواد الغذائية، والفواتير النظامية، وإظهار لوائح الأسعار بالليرة السورية الجديدة، إضافة إلى شروط النظافة والسلامة الصحية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفات التي تم ضبطها.

خطة حكومية لتعزيز الرقابة وتأمين المواد الأساسية

وفي اجتماع موسع عقدته وزارة الاقتصاد والصناعة، بحث نائب الوزير "ماهر خليل الحسن" مع مديري المؤسسات العامة ومديري مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في المحافظات واقع العمل والصعوبات التي تواجهها المديريات، إلى جانب خطط تعزيز الرقابة التموينية وحماية المستهلك وتلبية احتياجات الأسواق المحلية. 

وأكد الحسن خلال الاجتماع أن حماية المستهلك وضبط الأسواق تمثل أولوية، مع التشديد على تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية وتحديث أدوات الرقابة وتذليل العقبات أمام المديريات، بما يضمن وصول الإجراءات الحكومية إلى المواطنين.

وتناول الاجتماع كذلك ملف الخبز التمويني، حيث أشار الحسن إلى العمل وفق خطة تستهدف توفير الخبز للمواطنين وتحسين جودة الرغيف، إضافة إلى تحديث نحو 200 مخبز، فضلاً عن زيادة منافذ البيع التابعة للمؤسسة السورية للتجارة بهدف تعزيز تدخلها في السوق وتحقيق قدر من التوازن السعري.

وتأتي هذه الإجراءات ضمن مسار أوسع لتأمين سلاسل الغذاء إذ سبق للوزارة أن تابعت عمليات استلام القمح في مناطق مختلفة، بينها حلب والحسكة والرقة ودير الزور، بهدف معالجة الصعوبات التي تواجه المزارعين وضمان انسيابية تسويق المحصول. 

تنظيم الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي

وفي السياق ذاته، أقرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير القرار رقم /14/ لعام 2026، المتعلق بتنظيم استيراد عدد من المنتجات الزراعية، متضمناً تمديد حظر استيراد التفاح حتى 30 تشرين الثاني 2026، وحظر استيراد الليمون اعتباراً من 1 تشرين الأول 2026 وحتى 31 آذار 2027، مع تكليف إدارة الجمارك العامة باتخاذ الإجراءات التنفيذية والرقابية اللازمة على المنافذ.

وتأتي هذه الإجراءات في إطار تنظيم حركة الاستيراد وفق الروزنامة الزراعية، بالتوازي مع النقاش الاقتصادي الأوسع حول كيفية تحقيق توازن بين حماية الإنتاج المحلي واستمرار انسيابية الأسواق.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور "عمار اليوسف" أن استقرار سعر الصرف يمثل عاملاً مهماً بالنسبة للمنتجين والمستوردين، خصوصاً مع ارتباط تكاليف المواد الأولية والطاقة والنقل والتجهيزات بأسعار العملات، مشيراً إلى أن المشكلة، وفق رأيه، لا ترتبط فقط بمستوى سعر الصرف وإنما أيضاً بدرجة استقراره وإمكانية التنبؤ بتحركاته.

ويذكر أن حركة الأسواق في المرحلة الحالية تبدو نتاج تفاعل عدة عوامل في وقت واحد، تشمل تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل وسعر الصرف والعرض والطلب، مقابل إجراءات رقابية وتموينية تسعى الجهات الحكومية من خلالها إلى الحد من المخالفات ومتابعة الأسعار وتأمين المواد الأساسية وتبقى قدرة هذه الإجراءات على تخفيف الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة مرتبطة بتطور الأسعار وتكاليف الإنتاج ومستوى الدخل خلال الفترة المقبلة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ