صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد السوري ويشيد بالإصلاحات الحكومية
صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد السوري ويشيد بالإصلاحات الحكومية
● اقتصاد ٦ أغسطس ٢٠٢٦

صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد السوري ويشيد بالإصلاحات الحكومية

أصدر صندوق النقد الدولي، تقييماً جديداً للاقتصاد السوري عقب اختتام بعثته إلى دمشق، متوقعاً أن يسجل الاقتصاد نمواً يتجاوز 10% خلال عام 2026، مع استمرار النمو القوي خلال عام 2027، في مؤشر اعتبره الصندوق انعكاساً لتسارع وتيرة التعافي الاقتصادي بعد سنوات من الانكماش، مدعوماً بتحسن عدد من القطاعات الإنتاجية والخدمية، واستمرار الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة السورية.

وجاءت هذه التقديرات في ختام زيارة بعثة من خبراء صندوق النقد الدولي برئاسة رون فان رودن إلى العاصمة دمشق خلال الفترة الممتدة بين 19 و23 تموز 2026، حيث أجرت سلسلة اجتماعات مع كبار المسؤولين السوريين، تناولت خلالها مستجدات الاقتصاد الكلي، والتقدم المحرز في برنامج الإصلاحات، وأولويات السياسات الاقتصادية، إضافة إلى توسيع مجالات التعاون الفني بين الصندوق والسلطات السورية خلال المرحلة المقبلة.

وأوضح الصندوق أن الاقتصاد السوري بدأ يستعيد زخمه منذ عام 2025، مستفيداً من تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين عقب المتغيرات السياسية، وعودة نحو 1.5 مليون لاجئ، إلى جانب إعادة اندماج سوريا تدريجياً في الاقتصادين الإقليمي والعالمي، الأمر الذي ساهم في تعويض التأثيرات السلبية التي خلفها الجفاف الحاد على القطاع الزراعي خلال الفترة الماضية.

وأشار التقرير إلى أن النمو المتوقع خلال عام 2026 يستند إلى مجموعة من العوامل، أبرزها التعافي القوي للإنتاج الزراعي بعد تحسن معدلات الهطول المطري، وارتفاع إنتاج النفط والغاز، وتحسن إمدادات الكهرباء، واستمرار توسع أنشطة التجارة والخدمات، فضلاً عن زيادة أعداد الزوار والعائدين إلى البلاد، واستمرار الإنفاق الحكومي، إضافة إلى السياسات الإصلاحية التي تستهدف استعادة الاستقرار الاقتصادي وتحفيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أكد صندوق النقد الدولي أن التعافي لا يزال غير متوازن بين مختلف المناطق السورية، كما أن مستويات الفقر لا تزال مرتفعة، وإن كانت قد شهدت تراجعاً محدوداً مقارنة بالسنوات السابقة، ما يستدعي مواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية بالتوازي مع توسيع برامج الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات الأساسية.

وفيما يتعلق بالتضخم، أوضح التقرير أن الأسعار شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال عام 2026 بعد التراجع الذي سجلته خلال عام 2025، مرجعاً ذلك إلى ارتفاع أسعار الواردات، وخاصة الوقود والمواد الغذائية، نتيجة التطورات الإقليمية، إضافة إلى زيادة الطلب المحلي، ورفع أجور العاملين في القطاع العام، وارتفاع أسعار الخدمات العامة في إطار إصلاحات تستهدف تغطية تكلفتها الفعلية، فضلاً عن زيادة تكاليف السكن. ورجح الصندوق أن يعود التضخم إلى مسار الانخفاض خلال عام 2027 في حال استمرار السياسات المالية والنقدية المنضبطة، وتراجع الضغوط المرتبطة بأسعار الواردات.

وفي الجانب المالي، أشار التقرير إلى تحسن ملحوظ في أداء المالية العامة، مبيناً أن الموازنة المركزية لعام 2025 أغلقت بفائض محدود نتيجة ضبط الإنفاق ضمن الموارد المتاحة، مع إعطاء الأولوية لتلبية الاحتياجات الأساسية. كما توقع الصندوق ارتفاع الإيرادات الحكومية بشكل كبير خلال عام 2026، مستنداً إلى النمو الواضح في الإيرادات الضريبية والجمركية خلال النصف الأول من العام، إضافة إلى ارتفاع عائدات قطاع النفط والغاز، وتحقيق إيرادات استثنائية من رسوم تراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود.

وأكد التقرير أن هذه الإيرادات ستسهم في تمويل معظم النفقات المدرجة في الموازنة، إلا أن محدودية الموارد قد تفرض الاستمرار في ضبط الإنفاق الرأسمالي، داعياً إلى إعداد موازنة عام 2027 وفق تقديرات متحفظة للإيرادات والتمويل، مع الحفاظ على الانضباط المالي والحد من نمو الإنفاق الجاري.

وشدد صندوق النقد الدولي على ضرورة مواصلة إصلاح إدارة المالية العامة، عبر تعزيز إعداد وتنفيذ الموازنة، وتقليص العمليات المالية خارج إطار الموازنة، وتحسين الرقابة على الالتزامات الحكومية والأنشطة شبه المالية، بالتوازي مع الاستمرار في إصلاح النظام الضريبي، وتعزيز كفاءة الإدارة الضريبية والجمركية، وتقليص الإعفاءات الضريبية، بما يسهم في زيادة الإيرادات العامة وتوفير الموارد اللازمة لتمويل الإنفاق التنموي وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي.

وفي ما يخص السياسة النقدية، اعتبر الصندوق أن نجاح مصرف سوريا المركزي في إدارة عملية طرح العملة الجديدة يمثل خطوة مهمة، لكنه أكد أن السياسة النقدية لا تزال تواجه تحديات كبيرة بسبب ضعف القطاع المصرفي وغياب الأدوات الفعالة لنقل أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد، الأمر الذي يجعل إعادة تأهيل المصارف أولوية عاجلة.

ودعا التقرير إلى الإسراع في إصدار قانون جديد للمصرف المركزي يمنحه صلاحيات أوضح في تحقيق استقرار الأسعار، وإقرار قانون جديد للمصارف، وإجراء تقييم شامل للسلامة المالية للمؤسسات المصرفية وفق أفضل الممارسات الدولية، إضافة إلى تعزيز الرقابة المصرفية، وتحسين منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يدعم إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي ويسهل تدفق الاستثمارات والتمويل الخارجي.

كما أكد الصندوق أن سوريا ما تزال بحاجة إلى دعم مالي دولي واسع لتلبية الاحتياجات الإنسانية والتنموية، موضحاً أن إعادة دمج اللاجئين والعائدين والنازحين بصورة مستدامة تتطلب استثمارات كبيرة في خلق فرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، وإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية، فضلاً عن إحراز تقدم في معالجة الديون الموروثة وتطوير سوق محلية للأوراق المالية.

وفي إطار التعاون مع الحكومة السورية، أعلن صندوق النقد الدولي الاتفاق على برنامج موسع للمساعدة الفنية خلال المرحلة المقبلة، يشمل تطوير إدارة المالية العامة، وإدارة السيولة، وإعداد وتنفيذ الموازنة، وإصلاح السياسات الضريبية والإدارة الضريبية والجمركية، وإدارة الدين العام، وتطوير أسواق المال المحلية، إلى جانب إعداد التشريعات الجديدة للقطاع المصرفي، وإعادة هيكلته، وتعزيز الرقابة المصرفية، ودعم المصرف المركزي في تطوير أدوات السياسة النقدية.

وأوضح التقرير أن برامج المساعدة الفنية ستشمل أيضاً تحسين جودة الإحصاءات الاقتصادية، بما في ذلك بيانات الحسابات القومية، والأسعار، وميزان المدفوعات، والإحصاءات النقدية والمالية، وإحصاءات المالية العامة، بما يسمح بإعداد تقييمات أكثر دقة للاقتصاد السوري واستئناف مشاورات المادة الرابعة مع سوريا مستقبلاً بناءً على طلب الحكومة.

من جانبه، رحب وزير المالية محمد يسر برنية بتقييم صندوق النقد الدولي، معتبراً أن البيان يعكس استمرار زخم التعافي الاقتصادي وتحسن النمو وأداء المالية العامة في سوريا، ويشكل رسالة ثقة مهمة بالإصلاحات الاقتصادية التي تعمل الحكومة على تنفيذها.

هذا وأكد الوزير أن هذا التقييم يدعم جهود استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، وترسيخ السياسات المالية الرشيدة، وتهيئة البيئة المناسبة لنمو القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات، وتعزيز مسار التعافي الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ