حاكم مصرف سوريا المركزي يستعرض أمام مجموعة العمل المالي إصلاحات القطاع المصرفي وموقف سوريا من القائمة الرمادية
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي ورئيس هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، صفوت رسلان، التزام سوريا ببناء نظام مالي أكثر قوة وشفافية، وتعزيز النزاهة المالية واستعادة الثقة بالمؤسسات المصرفية، مستعرضاً سلسلة من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية والإجراءات التنظيمية التي تعمل عليها الجهات المعنية، بالتعاون مع مؤسسات مالية ومنظمات دولية، في إطار تطوير المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأوضح رسلان، في كلمة ألقاها خلال اجتماع مجموعة العمل المالي الدولية المنعقد في باريس، أن سوريا تتعامل مع هذا الملف بوصفه مسؤولية وطنية ترتبط بحماية الاقتصاد، وصون سلامة النظام المالي، وترسيخ سيادة القانون، مؤكداً أن الجهود الحكومية تستهدف بناء منظومة مستدامة قادرة على تحديد المخاطر وإدارتها وتطبيق المعايير الدولية، وصولاً إلى تحقيق نتائج عملية قابلة للقياس.
وشدد على أن الإصلاحات الجارية تتجاوز متطلبات إزالة سوريا من القائمة الرمادية، وتشمل تطوير أداء المؤسسات والجهات الرقابية وتعزيز فاعلية الإجراءات المتخذة، بما يسهم في استعادة الثقة بالنظام المالي والمصرفي.
موقف سوريا من القائمة الرمادية والتقييم الدولي
رحّب رسلان بمبادرة مراجعة صياغة البيان العلني الصادر عن مجموعة العمل المالي بشأن الدول التي لم تتمكن من تحقيق تقدم كافٍ ضمن مسار مراجعة التعاون الدولي، ومن بينها سوريا، معتبراً أن المبادرة تشكل خطوة بناءة نحو تقديم صورة أكثر وضوحاً وتوازناً عن التطورات التي تشهدها الدول المعنية والجهود المبذولة لمعالجة أوجه القصور.
وتُعد القائمة الرمادية تصنيفاً تصدره مجموعة العمل المالي الدولية، ويشمل الدول التي تعاني أوجه قصور في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتخضع لمراقبة معززة إلى حين استكمال الإصلاحات المطلوبة لمعالجة تلك الثغرات.
وأوضح أن مراجعة صياغة البيان لا تعني بحد ذاتها تغيير وضع سوريا على القائمة الرمادية، ولا تعفيها من استكمال المتطلبات المعتمدة وإثبات التقدم والفاعلية وفق الإجراءات المحددة، مشيراً إلى أهمية أن تعكس البيانات المنشورة التطورات الفعلية بصورة دقيقة وموضوعية، نظراً إلى تأثيرها في فهم الدول الأعضاء والشركاء الدوليين لطبيعة الأوضاع القائمة.
وأكد رسلان أن سوريا تتعامل بجدية مع التقييم المتبادل المرتقب، الذي سيشمل مراجعة التشريعات والهياكل المؤسسية، إلى جانب قياس فاعلية التطبيق واستدامة النتائج، ومدى قدرة الجهات الوطنية على تحقيق تقدم ملموس في معالجة المخاطر والقصور القائم.
وأشار إلى أن نجاح هذا المسار يتطلب استعداداً مؤسسياً وتنسيقاً مستمراً بين الجهات المعنية، مع الالتزام بالتطبيق الفعلي للمعايير الدولية، موضحاً أن السلطات تعمل على بناء منظومة قادرة على تحقيق تحسينات مستدامة في أداء المؤسسات وحماية سلامة النظام المالي.
استراتيجية وطنية وتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد
كشف رسلان عن إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح في تموز 2026، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في إطار الجهود الرامية إلى تطوير المنظومة التشريعية والتنظيمية وتعزيز القدرات المؤسسية.
وأوضح أن الاستراتيجية توفر إطاراً وطنياً موجهاً للعمل، يتضمن تحديد الأولويات وتنسيق جهود الجهات المعنية وربط الأهداف بمخرجات قابلة للمتابعة والقياس، بما يضمن الانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي وتقييم النتائج.
وفي مسار موازٍ، أعلن رسلان بدء عملية التقييم الوطني للمخاطر بالتعاون مع البنك الدولي، بهدف تكوين فهم أكثر دقة لطبيعة المخاطر ومستوياتها، وتوجيه الموارد والإجراءات الرقابية نحو القطاعات والأنشطة التي تتطلب اهتماماً أكبر.
وأشار إلى مواصلة العمل مع صندوق النقد الدولي لمراجعة المنظومة التشريعية ذات الصلة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومواءمتها مع المعايير الدولية، مع التركيز على تعزيز قابلية تطبيق التشريعات وفاعليتها العملية.
وأكد أن الجهود السورية انتقلت من تحديد الأولويات إلى بناء الأطر المؤسسية والتنظيمية وتطوير القدرات، مع العمل على تعزيز التنفيذ ومتابعة النتائج، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة.
إصلاح القطاع المصرفي وتشديد إجراءات الرقابة
وفي ما يتعلق بالإصلاح المؤسسي، أوضح رسلان أن الجهات المعنية أعادت تأهيل البنية التحتية لهيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وعززت قدراتها الفنية والتشغيلية، إلى جانب تطوير مهارات كوادرها.
وأضاف أن جهود بناء القدرات امتدت إلى المصارف والجهات الوطنية الشريكة، انطلاقاً من أهمية التنسيق وتكامل الأدوار وتوحيد فهم المخاطر والمسؤوليات بين المؤسسات المختلفة، لضمان فاعلية المنظومة الرقابية.
وفي القطاع المصرفي، أكد رسلان العمل على تطوير متطلبات التعرف إلى العملاء وإجراءات العناية الواجبة، وتحسين جودة البيانات المتعلقة بهويات العملاء وأنشطتهم ومصادر أموالهم، وتعزيز تطبيق النهج القائم على المخاطر.
وتشمل الإجراءات تشديد التدقيق على الأشخاص المعرضين سياسياً والعملاء المصنفين ضمن الفئات مرتفعة المخاطر، إلى جانب تطوير آليات فحص الأسماء والمعاملات مقابل قوائم العقوبات، والاستفادة من الأنظمة التقنية المتاحة لرفع دقة عمليات التدقيق.
وأشار رسلان إلى تكثيف التواصل المباشر مع المصارف وشركات الصرافة ومقدمي خدمات الدفع لمناقشة متطلبات الامتثال والتحديات التطبيقية، بما فيها العلاقات مع المصارف المراسلة، وتمويل التجارة الخارجية، والجاهزية التقنية للمؤسسات المالية.
وأوضح أن هذا التواصل يهدف إلى ضمان انعكاس المتطلبات الرقابية على الممارسات الفعلية للمؤسسات، ومعالجة الصعوبات التي تواجهها في تطبيق المعايير والالتزامات التنظيمية.
تنظيم الدفع الإلكتروني وتوسيع التزامات مكافحة غسل الأموال
وفي ملف الدفع والتحويل الإلكتروني، أعلن رسلان صدور القرار رقم 1124 لعام 2026، المتعلق باعتماد نظام الدفع والتحويل الإلكتروني في سوريا، والذي وضع إطاراً تنظيمياً وترخيصياً لمقدمي خدمات الدفع والنقود الإلكترونية ومشغلي أنظمة الدفع.
وأوضح أن النظام يدمج متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ضمن قواعد عمل المؤسسات المشمولة، بما يتضمن تحديد المخاطر، والتعرف إلى العملاء، ومراقبة المعاملات، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، والتحقق من قوائم العقوبات.
وأكد أن العمل التنظيمي يمتد أيضاً إلى قطاعات الأعمال والمهن غير المالية المحددة، مشيراً إلى استكمال إعداد قرار ينظم التزاماتها المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يوسع نطاق تطبيق المتطلبات الوطنية ويعزز شمولية المنظومة الرقابية.
ويأتي تطوير هذه الضوابط ضمن جهود السلطات لتوسيع نطاق الرقابة على الأنشطة المالية وغير المالية المشمولة بالمعايير الدولية، وتحسين قدرة الجهات المختصة على متابعة المخاطر والتعامل معها.
التعاون الدولي والاستعداد للمرحلة المقبلة
وأعرب رسلان عن تقدير سوريا لرئاسة مجموعة العمل المالي وأمانتها، وكذلك لمجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ورئاستها وأمانتها ودولها الأعضاء، على اهتمامها ودعمها المستمر لتطوير المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأشار إلى أهمية الزيارة التي أجراها وفد رفيع المستوى من مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى دمشق في تموز الماضي، موضحاً أنها أتاحت إجراء حوار مباشر بشأن استعدادات سوريا للتقييم المتبادل، ومناقشة التحديات والمتطلبات المرتبطة بهذه العملية.
وأكد استمرار مشاركة سوريا في أعمال المجموعة الإقليمية، وتقديم تقارير طوعية ضمن عملية مراجعة التعاون الدولي، بهدف إطلاع الشركاء على التطورات الفعلية التي تشهدها المنظومة الوطنية والإجراءات المتخذة لتعزيز فاعليتها.
وشدد رسلان على إدراك سوريا لأهمية المرحلة المقبلة وحساسيتها، في ظل استمرار جهود التعافي، مؤكداً السعي إلى تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة، ومعالجة أوجه القصور وفق الإجراءات المعتمدة.
واختتم بالتأكيد على تطلع سوريا إلى مواصلة التعاون مع مجموعة العمل المالي ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والدول الأعضاء والشركاء الدوليين، استناداً إلى المسؤولية المتبادلة والشفافية والوضوح في تحديد المتطلبات وتقييم النتائج.