من رسائل الهاتف إلى صور الشاشة.. محامٍ يوضح حجية الأدلة الرقمية أمام القضاء
من رسائل الهاتف إلى صور الشاشة.. محامٍ يوضح حجية الأدلة الرقمية أمام القضاء
● مجتمع ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦

من رسائل الهاتف إلى صور الشاشة.. محامٍ يوضح حجية الأدلة الرقمية أمام القضاء

أصبحت الرسائل الهاتفية والمحادثات عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي جزءاً من المعاملات اليومية بين الأفراد، إذ تُستخدم في الاتفاقات المالية وتوثيق الديون وتبادل الالتزامات، ما يثير تساؤلات حول إمكانية الاستناد إليها أمام القضاء عند نشوء خلاف بين الأطراف.

وقد يحتفظ أحد الأشخاص بمحادثة تتضمن إقراراً بدين، أو بصورة شاشة توثق اتفاقاً مالياً، معتقداً أنها تكفي لإثبات حقه، إلا أن القيمة القانونية لهذه الأدلة ترتبط بعدة عوامل، من بينها صحة المحادثة وإمكانية نسبتها إلى صاحبها، وسلامة البيانات من التعديل، وطبيعة النزاع والقواعد القانونية التي تحكم الإثبات فيه.

وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، أوضح الدكتور ركان رحال، المحاضر في القانون الدولي والمحامي المزاول، أن التشريعات السورية تعترف بالحجية القانونية للكتابة الإلكترونية وفق شروط محددة، مشيراً إلى أن المحادثات الرقمية قد تشكل دليلاً أو قرينة تساعد على إثبات الحقوق، دون أن يعني ذلك قبولها بصورة مطلقة في جميع القضايا.

هل تتمتع الرسائل الإلكترونية بقوة الإثبات القانوني؟

قال رحال إن قانون المعاملات الإلكترونية رقم 3 لعام 2014 يمنح الكتابة الإلكترونية الحجية القانونية المقررة للكتابة الورقية، متى استوفت الشروط المنصوص عليها في القانون.

وأوضح أن الاعتراف القانوني بالكتابة الإلكترونية يتيح الاستناد إلى البيانات والمراسلات الرقمية في إثبات بعض التصرفات والالتزامات، مع مراعاة طبيعة المستند ومدى استيفائه متطلبات الإثبات.

وأشار إلى أن المحادثات الإلكترونية قد تشكل قرائن قضائية أو مبدأ ثبوت بالكتابة، بحسب مضمونها والظروف المحيطة بها، ومدى إمكانية التحقق من صحتها ونسبتها إلى الشخص المعني.

وبيّن أن وجود رسالة إلكترونية أو محادثة محفوظة لا يجعلها بالضرورة دليلاً كاملاً على الحق المدعى به، إذ يتعين النظر في مضمونها وصلتها بالنزاع ومدى توافر الشروط القانونية اللازمة للاعتماد عليها.

وتبرز أهمية هذا التمييز في النزاعات التي تعتمد بصورة أساسية على التواصل الإلكتروني، خصوصاً عندما لا تتوافر عقود ورقية أو مستندات تقليدية توثق العلاقة بين الأطراف.

اختلاف حجية الدليل بين القضايا المدنية والتجارية والجزائية

أوضح رحال أن القيمة الإثباتية للمحادثات الإلكترونية تختلف بحسب طبيعة الدعوى والقواعد القانونية المطبقة عليها.

ففي القضايا المدنية، قد تشكل المحادثات مبدأ ثبوت بالكتابة أو قرينة قضائية، وفقاً لمضمون الرسائل وظروف تبادلها ومدى ارتباطها بالحق المطالب به.

أما في القضايا التجارية، فتتمتع قواعد الإثبات بمرونة أوسع، ما قد يتيح الاستفادة من المراسلات الإلكترونية في إثبات المعاملات والالتزامات التجارية، دون اعتبارها دليلاً حاسماً في جميع الحالات.

وفي القضايا الجزائية، أشار رحال إلى أن قيمة الدليل الرقمي تخضع لتقدير المحكمة، وفق المادة 41 من قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، مع ضرورة مراعاة سلامة الدليل وعدم تعرضه للتغيير أو التلاعب.

وأكد أن اختلاف طبيعة القضايا ينعكس على كيفية التعامل مع الأدلة الرقمية، إذ لا يمكن تطبيق معيار واحد على جميع المنازعات دون النظر إلى القواعد القانونية الخاصة بكل منها.

هل تكفي صورة الشاشة لإثبات المحادثة؟

تُعد صور الشاشة من أكثر الوسائل استخداماً للاحتفاظ بالمحادثات الإلكترونية، إلا أن الاعتماد عليها وحدها قد يثير إشكالات تتعلق بصحتها وإمكانية تعديل محتواها.

وأوضح رحال أن صور الشاشة لا تُرفض حكماً بوصفها أدلة، لكنها قد لا تكون كافية بمفردها لإثبات صحة المحادثة أو التأكد من هوية الشخص الذي أرسل الرسائل.

وأشار إلى أن التحقق من الدليل الرقمي قد يتطلب فحص الجهاز الأصلي الذي يحتوي على المحادثة، ومراجعة البيانات المتاحة المرتبطة بها، والاستعانة بالخبرة الفنية عند الحاجة.

وتساعد هذه الإجراءات على التحقق من سلامة المحتوى ومدى تعرضه للتعديل، إلى جانب البحث في المعلومات التي يمكن أن تدعم نسبة الرسائل إلى صاحبها.

كما أن وجود المحادثة الأصلية قد يتيح فحص سياق الرسائل وتسلسلها، بدلاً من الاعتماد على صورة مقتطعة لا تظهر جميع التفاصيل المرتبطة بالتواصل بين الأطراف.

وبناءً على ذلك، فإن الاحتفاظ بصورة الشاشة قد يكون مفيداً، لكنه لا يغني بالضرورة عن حفظ المحادثة الأصلية والبيانات المرتبطة بها.

إثبات الديون عبر محادثات واتساب ووسائل التواصل

تطرح الاتفاقات المالية التي تتم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي تساؤلات حول إمكانية إثبات الديون والالتزامات من خلال الرسائل المتبادلة بين الأطراف.

وبيّن رحال أن المحادثات الإلكترونية قد تكون كافية لإثبات الدين في بعض الحالات، بحسب مضمونها والظروف المحيطة بها، ولا سيما إذا تضمنت إقراراً واضحاً من المدين بوجود الالتزام.

وأوضح أن الاستناد إلى هذه المحادثات يتطلب التحقق من نسبتها إلى الشخص المعني، والتأكد من دلالتها على وجود الدين ومقداره وموعد استحقاقه.

فوجود محادثة تتناول مبلغاً مالياً لا يعني بالضرورة ثبوت الدين، ما لم يكن مضمونها واضحاً في تحديد طبيعة الالتزام والعلاقة بين الأطراف.

كما ينبغي مراعاة قواعد الإثبات القانونية التي تحكم النزاع، ومدى الحاجة إلى تقديم مستندات أو أدلة أخرى تدعم ما ورد في الرسائل.

وأشار رحال إلى أن المحكمة تتولى تقدير القيمة القانونية لهذه المحادثات في ضوء الأدلة المتاحة، ومدى كفايتها لإثبات الحق المطالب به.

تسجيل المحادثات دون موافقة الطرف الآخر

تثير التسجيلات الصوتية والمحادثات التي يجري الاحتفاظ بها دون علم الطرف الآخر إشكالات قانونية تتعلق بحماية الخصوصية ومشروعية الحصول على الأدلة.

وأوضح رحال أن الحكم القانوني يختلف بحسب طبيعة التسجيل أو الدليل الرقمي، والظروف التي جرى الحصول عليه فيها، ومدى توافق ذلك مع الأحكام القانونية النافذة.

وأشار إلى أن المادة 23 من قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 تجرّم بعض صور التسجيل والتصوير دون رضا الشخص، وفق الشروط المحددة فيها.

وأكد أنه لا يمكن اعتبار تسجيل أحد أطراف المحادثة مشروعاً في جميع الحالات، كما لا يصح الحكم ببطلان كل دليل يحصل عليه طرف ثالث دون إذن قضائي بصورة تلقائية.

وبيّن أن التعامل مع هذه الحالات يستلزم بحث مشروعية الحصول على الدليل بصورة مستقلة عن قيمته الإثباتية، مع مراعاة طبيعة الواقعة والظروف المحيطة بها.

ويعني ذلك أن امتلاك تسجيل أو محادثة قد تساعد على إثبات واقعة معينة لا يمنح صاحبها بالضرورة الحق في الحصول على المعلومات أو تسجيلها بأي وسيلة.

كيف يمكن الحفاظ على الأدلة الرقمية؟

نصح رحال الأشخاص الذين يحتفظون بمحادثات أو رسائل تتعلق بحقوق مالية أو قانونية بالمحافظة على البيانات الأصلية، وتجنب أي تصرف قد يؤدي إلى تغييرها أو فقدانها.

وأكد أهمية الاحتفاظ بالجهاز الذي يحتوي على المحادثات والرسائل، وعدم حذف المحتوى أو تعديله، بما يتيح الرجوع إليه عند الحاجة للتحقق من سلامة الدليل.

كما أوصى بمراجعة محامٍ أو الجهة المختصة بحسب طبيعة الواقعة، للحصول على التوجيه القانوني المناسب بشأن كيفية تقديم الدليل والمحافظة عليه.

وأوضح أن من أبرز الأخطاء الشائعة الاكتفاء بصورة شاشة مطبوعة، مع إهمال المصدر الإلكتروني الأصلي الذي يمكن من خلاله التحقق من تفاصيل المحادثة.

كما حذّر من حذف الرسائل أو إجراء ضبط مصنع للجهاز قبل حفظ البيانات اللازمة، نظراً إلى أن هذه التصرفات قد تؤدي إلى فقدان معلومات مهمة أو إضعاف القدرة على التحقق من صحة الدليل.

وتبرز أهمية التعامل السليم مع الأدلة الرقمية في المحافظة على المعلومات التي قد تحتاج إليها المحكمة أو الجهات الفنية المختصة عند النظر في النزاع.

متى تصبح المحادثة دليلاً مؤثراً أمام القضاء؟

تتوقف القيمة القانونية للمحادثات الإلكترونية على مجموعة من العناصر التي تنظر فيها المحكمة، من بينها مضمون الرسائل ومدى وضوحها، وإمكانية تحديد هوية أطرافها، وسلامة البيانات من التعديل أو التلاعب.

كما تؤثر طبيعة القضية في تحديد وسائل الإثبات المقبولة، وما إذا كانت المحادثة تكفي لإثبات الحق أو تحتاج إلى أدلة إضافية تدعم مضمونها.

وقد تكتسب الرسائل أهمية خاصة عندما تتضمن إقراراً صريحاً بالتزام مالي أو معلومات واضحة عن اتفاق بين الأطراف، شريطة إمكان التحقق من صحتها ونسبتها إلى أصحابها.

وفي المقابل، قد تضعف قيمة الدليل عندما تكون الرسائل مقتطعة من سياقها، أو يتعذر الوصول إلى مصدرها الأصلي، أو تثور شكوك جدية بشأن سلامتها.

وأكد رحال أن تقدير هذه المسائل يعود إلى القضاء، وفق القواعد القانونية والظروف الخاصة بكل قضية.

وتعكس هذه الأحكام أهمية الوعي القانوني عند استخدام وسائل التواصل الإلكتروني في المعاملات المالية والشخصية، خصوصاً مع تزايد الاعتماد على الرسائل الرقمية في توثيق الاتفاقات والالتزامات.

فالاحتفاظ بالمحادثات والبيانات الأصلية، والتحقق من مشروعية الحصول عليها، وتجنب تعديلها أو حذفها، خطوات تساعد على حماية الحقوق وتسهيل الاستفادة من الأدلة عند نشوء نزاع.

وتبقى الرسائل الهاتفية والمحادثات الإلكترونية وسائل يمكن الاستناد إليها أمام القضاء السوري وفق الشروط القانونية، فيما يظل تحديد قوتها الإثباتية ومدى كفايتها لإثبات الحقوق من اختصاص المحكمة، استناداً إلى طبيعة القضية وسلامة الدليل ومجموع الأدلة المقدمة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ