تحقيق يكشف "الذهب المضروب" في أسواق دمشق خلال عهد النظام البائد
كشف تحقيق استقصائي انتشار ما يعرف بـ"الذهب المضروب" في أسواق دمشق خلال عهد النظام البائد، حيث جرى تداول مصوغات وليرات ذهبية مختومة بعيار 21 لكنها كانت تحتوي فعلياً على نسب أقل من الذهب الخالص، ما أضر بمدخرات المواطنين وأثار شكوكاً واسعة حول دقة منظومة الدمغ والرقابة.
وأوضح تحقيق نشرته وحدة "سراج"، للتحقيقات الاستقصائية المستند إلى شهادات صاغة وتجار ووثائق قضائية، أن هذه الحالات لم تكن معزولة، بل تكررت بشكل لافت داخل السوق، في ظل اعتماد واسع على الدمغة الرسمية كضمانة أساسية دون إخضاع شامل لكل قطعة لفحوص مخبرية دقيقة.
وذكر أن منظومة الرقابة التي يفترض أن تضمن مطابقة العيارات شهدت ثغرات فنية وتنظيمية سمحت بتمرير ذهب غير مطابق، خصوصاً في مرحلة الاضطراب الاقتصادي التي أعقبت عام 2011، مع ارتفاع الطلب على الذهب كملاذ آمن للادخار.
كما أشار التحقيق إلى أن بعض الحالات كشفت وجود تلاعب في أختام الدمغ وتداول أقلام غير خاضعة للرقابة الصارمة، ما جعل التحقق من مصدر الذهب وعياره أكثر صعوبة، وفتح الباب أمام تضارب في المسؤوليات داخل السوق.
ولفت إلى أن حجم الضغط على الورش والجمعية الحرفية للصياغة، مع اتساع الإنتاج اليومي، أدى إلى الاعتماد على فحص العينات بدلاً من الفحص الفردي، ما ساهم في زيادة احتمالات تسرب قطع غير مطابقة.
ويشير التحقيق إلى أن المرحلة التي سبقت سقوط النظام السابق شهدت تداخلاً معقداً بين بعض مفاصل الرقابة في سوق الذهب وأجهزة أمنية نافذة، ما انعكس سلباً على استقلالية العمل الرقابي داخل القطاع.
ووفق شهادات تضمنها التحقيق، فقد جرى توظيف أدوات ضغط وابتزاز في بعض الملفات المرتبطة بالأسعار والمخالفات، حيث ارتبط اسم فرع الخطيب بملفات استدعاء وتوقيف لعدد من الصاغة تحت عناوين اقتصادية، ترافقت مع فرض تسويات مالية أو تسديد مبالغ بالذهب أو النقد مقابل الإفراج.
هذا وخلص التحقيق إلى أن السوق لا تزال تتعامل بحذر مع الذهب القديم، وسط إجراءات جديدة تهدف إلى إعادة الفحص والتدقيق، في محاولة لاستعادة الثقة بقطاع يُعد من أهم أدوات الادخار لدى المواطنين.
وتشمل الإجراءات الجديدة، بحسب ما يرد في القطاع، إعادة فحص الذهب القديم المتداول في الأسواق، ومنع عرضه دون تدقيق مسبق، إلى جانب اعتماد أنظمة توثيق وفواتير رسمية أكثر صرامة لضمان تتبع مصدر القطع الذهبية.
كما تعمل الدولة السورية الجديدة على تعزيز دور الهيئة المختصة بالمعادن الثمينة كجهة رقابية مركزية، بما يضمن توحيد المرجعية الفنية والقانونية، وتقليل التداخل بين الجهات المختلفة الذي كان يؤثر سابقاً على كفاءة الرقابة.
ويؤكد مراقبون أن هذه الإجراءات تمثل محاولة لإعادة بناء الثقة بسوق الذهب، الذي يُعد أحد أهم أدوات الادخار لدى المواطنين، بعد سنوات من التشوهات التي أثرت على استقراره.
كما يُنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءاً من مسار أوسع لإعادة ضبط الأسواق المالية والسلعية، وتعزيز الشفافية والحوكمة الاقتصادية بما يحد من احتمالات التلاعب ويعيد الثقة للمستهلك.
وتمثل التحركات الحالية للدولة السورية الجديدة في قطاع الذهب اختباراً مباشراً لقدرتها على معالجة إرث طويل من الاختلالات الرقابية، حيث يُعد هذا القطاع حساساً لارتباطه المباشر بمدخرات المواطنين وثقتهم بالمنظومة الاقتصادية.
وبينما تسعى الإجراءات الجديدة إلى إغلاق الثغرات الفنية والتنظيمية، يبقى نجاحها مرهوناً بمدى صرامة التطبيق واستمرارية الرقابة واستقلاليتها، بما يضمن تحويل سوق الذهب من بيئة هشّة إلى قطاع منضبط وموثوق.
وكانت أصدرت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة تعميماً يقضي بمنع بيع المصوغات الذهبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي منعاً باتاً، وذلك بناءً على مقتضيات المصلحة العامة.
وأكد التعميم أن عمليات بيع المصوغات الذهبية تقتصر حصراً على المحلات المرخصة أصولاً، وبموجب الفواتير النظامية المعتمدة، وفقاً للتعليمات والقرارات الصادرة عن الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة.
و أوضحت الهيئة أن هذا القرار يأتي حرصاً على تنظيم مهنة صناعة وتجارة المصوغات الذهبية، وحماية حقوق المواطنين، وضمان سلامة عمليات البيع والشراء وفق الأصول القانونية المعتمدة.
وحذرت الهيئة المخالفين من الوقوع تحت طائلة المسؤولية واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، موجهة البلاغ إلى كافة جمعيات الصاغة في المحافظات للتقيد بما ورد فيه والعمل على إبلاغ المعنيين أصولاً.