النفط فوق 100 دولار واضطراب الإمدادات يتسع.. كيف تنعكس أزمة الطاقة العالمية على سوق المحروقات في سوريا؟
النفط فوق 100 دولار واضطراب الإمدادات يتسع.. كيف تنعكس أزمة الطاقة العالمية على سوق المحروقات في سوريا؟
● اقتصاد ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦

النفط فوق 100 دولار واضطراب الإمدادات يتسع.. كيف تنعكس أزمة الطاقة العالمية على سوق المحروقات في سوريا؟

تواجه أسواق الطاقة العالمية موجة جديدة من الضغوط مع استمرار الحرب في المنطقة وتصاعد المخاطر المحيطة بإمدادات النفط وطرق نقله، إذ بقي خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع تراجع حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز وارتفاع المخاوف من امتداد الاضطرابات إلى منشآت وطرق تصدير إضافية، ما يضع الدول المستوردة للمشتقات النفطية، ومن بينها سوريا، أمام تحديات تتعلق بالكلفة واستمرار التوريد وتوفر المواد في الأسواق.

وتبرز أمام السوق السورية معادلة تقوم على الموازنة بين أسعار المحروقات من جهة، وضمان استمرار تدفق المشتقات وتوفرها ومنع نشوء اختناقات أو نقص في المواد من جهة أخرى، خصوصاً أن آلية التسعير المعتمدة رسمياً باتت تراجع بصورة دورية المتغيرات العالمية والمحلية المؤثرة في التكلفة.

أزمة تتجاوز ارتفاع سعر برميل النفط

ارتفع خام برنت بنحو 30 بالمئة منذ مطلع آب/أغسطس، وتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، فيما أبقت المخاطر الأمنية التي تواجه الناقلات في الخليج ومضيق هرمز الأسواق في حالة ترقب، بالنظر إلى الأهمية الكبيرة للممر في تجارة الطاقة العالمية.

وتكشف بيانات تتبع حركة الناقلات أن صادرات النفط الخليجية لم تستعد مستوياتها السابقة، إذ تراوحت مؤخراً بين 15 و16 مليون برميل يومياً، بما يعادل نحو ثلثي مستويات ما قبل الحرب، رغم استمرار بعض الشحنات عبر المضيق واستخدام مسارات تصدير بديلة، ما يعني أن جزءاً مهماً من الإمدادات لا يزال خارج السوق مقارنة بالمعدلات السابقة.

ولا تتوقف الضغوط عند النفط الخام، إذ تشهد أسواق المشتقات المكررة بدورها حالة من الشح وارتفاع الأسعار، مع تراجع بعض قدرات التكرير واضطراب الإمدادات، وهو ما رفع المنافسة بين المستوردين على البنزين والديزل الجاهزين، ودفع أسعار الديزل العالمية إلى مستويات قياسية وفق بيانات السوق.

وتظهر انعكاسات الأزمة بوضوح حتى في الدول المنتجة الكبرى، إذ أظهرت المعطيات التي أوردتها CNN ارتفاع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى 4.22 دولار للغالون، مقارنة بـ3.19 دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، وسط ارتفاع النفط ونقص قدرات التكرير والاضطرابات المرتبطة بالحرب وقيود التصدير.

منشآت الطاقة وطرق الإمداد تحت الضغط

زادت الهجمات التي طالت بنى تحتية للطاقة في المنطقة من المخاوف المتعلقة باستقرار الإمدادات، إذ تعرضت منشآت نفطية في مدن سعودية لهجمات خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع تصاعد التوتر العسكري، فيما حذرت التطورات من اتساع دائرة المخاطر التي تواجه إنتاج ونقل الطاقة في المنطقة.

وتواجه روسيا بدورها ضغوطاً مرتبطة بقطاع التكرير، إذ تعمل بعض المصافي بأقل من طاقتها نتيجة أعمال صيانة غير مجدولة، فيما خفضت موسكو توقعاتها لإنتاج النفط وصادرات الوقود لعامي 2026 و2027، في عامل إضافي يؤثر في سوق عالمية تعاني أصلاً من اضطراب الإمدادات.

وتعني هذه التطورات أن الأزمة لم تعد مرتبطة بكمية النفط الخام المتاحة فقط، بل باتت تشمل قدرة المصافي على تحويله إلى بنزين وديزل، وأمن الموانئ والناقلات، وكلفة الشحن والتأمين، وهو ما يرفع السعر النهائي للمشتقات المستوردة حتى بالنسبة إلى الدول البعيدة عن ساحات المواجهة.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى سوريا؟

تعتمد آلية تسعير المشتقات النفطية في سوريا على مجموعة من المؤشرات، وفي مقدمتها الأسعار العالمية للنفط ومشتقاته، إلى جانب تكاليف التشغيل وسعر صرف الليرة وآليات الدعم ومؤشرات اقتصادية أخرى، وفق ما أعلنته اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية.

وأقرت اللجنة في تموز/يوليو اعتماد نشرة يومية لمراجعة أسعار المشتقات وفق المتغيرات في الأسواق العالمية، مع تأكيدها أن المراجعة اليومية لا تعني تغيير السعر كل يوم، وإنما تسمح بالتدخل عندما تصبح المتغيرات مؤثرة بدرجة تستوجب التعديل.

وسبق أن انعكس انخفاض أسعار النفط العالمية بصورة معاكسة على السوق السورية، وأكدت وزارة الطاقة عند وضع الآلية أن الهدف يتمثل في تحقيق توازن بين استدامة توفير المواد البترولية ومراعاة مصلحة المواطنين والاقتصاد الوطني، فيما أوضحت الشركة السورية للبترول في وقت سابق أن التكلفة المحلية تتأثر أيضاً بأسعار التوريد والنقل والشحن والتأمين والتخزين والصيانة.

بين تثبيت الأسعار وضمان توفر المادة

تضع الأزمة العالمية السوق السورية أمام تحدٍ لا يتعلق بالسعر وحده، إذ إن استمرار ارتفاع النفط والمشتقات الجاهزة وكلفة الشحن والتأمين قد يزيد تكلفة تأمين الكميات المستوردة، بينما يشكل الحفاظ على تدفق المحروقات وتجنب نقصها عنصراً أساسياً لاستقرار قطاعات النقل والإنتاج والخدمات.

وتصبح المعادلة في هذه الظروف مرتبطة بأربعة عناصر متداخلة، هي استمرار التوريد، وتوفر المادة، واستقرار السوق، والحد قدر الإمكان من انتقال تداعيات الأزمة العالمية إلى الداخل السوري، وهي معادلة تصبح أكثر تعقيداً كلما طالت مدة اضطراب الإمدادات وارتفعت الأسعار الدولية.

ولا يعني ارتفاع النفط عالمياً بالضرورة أن أي نسبة محددة لزيادة الأسعار المحلية أصبحت محسومة، إذ يتوقف ذلك على حركة الأسعار الفعلية وتكاليف التوريد والشحن والتأمين وسعر الصرف والسياسة المعتمدة في التسعير، إلا أن استمرار برنت فوق 100 دولار واضطراب الإمدادات والمنافسة على المشتقات المكررة تشكل مجتمعة ضغوطاً إضافية على كلفة تأمين المحروقات للسوق السورية.

وتبقى قدرة الجهات المعنية على ضمان توفر المحروقات وتجنب الاختناقات، بالتوازي مع إعلان عناصر التكلفة وتوضيح أسباب أي تعديل محتمل للأسعار، عاملاً أساسياً في الحد من انعكاسات أزمة الطاقة العالمية على الأسر والقطاعات الاقتصادية السورية، خصوصاً في ظل حساسية أسعار الوقود وتأثيرها المباشر في النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ