الليرة بعد العيد.. بين دعم موسمي هش وضغوط تهدد استقرار الصرف
الليرة بعد العيد.. بين دعم موسمي هش وضغوط تهدد استقرار الصرف
● اقتصاد ١ يونيو ٢٠٢٦

الليرة بعد العيد.. بين دعم موسمي هش وضغوط تهدد استقرار الصرف

سجلت الليرة السورية حالة من التذبذب في السوق الموازية بعد عطلة عيد الأضحى، وسط تداخل عوامل موسمية مرتبطة بالطلب على الدولار، مع ضغوط اقتصادية أعمق تتعلق بالإنتاج والسيولة والسياسات النقدية.

وخلال الفترة التي سبقت العيد مباشرة، سجلت العملة تحسناً محدوداً، قبل أن تستقر لاحقاً عند مستويات قريبة من 13,900 ليرة للدولار في السوق الموازية، وهو ما يعادل نحو 139 ليرة جديدة وفق التسعير المعتمد حديثاً.

وخلال تداولات الأيام التي سبقت العيد، تراوح سعر صرف الدولار بين 13,800 ليرة و13,925 ليرة قديمة، مع تسجيل تحسن نسبي بنحو 1.45% أي ما يقارب 200 ليرة خلال أيام قليلة، وهو تحسن ارتبط بشكل مباشر بارتفاع الحوالات الخارجية وتحسن الطلب على الليرة خلال فترة العيد.

وتشير قراءات اقتصادية إلى أن المرحلة التي تلي عيد الأضحى غالباً ما تشهد انخفاضاً في الاستهلاك المحلي وتراجعاً نسبياً في الطلب على الدولار لأغراض الاستيراد الموسمي، وهو ما قد يتيح هامشاً محدوداً للاستقرار أو تحسن طفيف في سعر الصرف.

في حين يبقى هذا المسار مرهوناً بعوامل أكثر تأثيراً تتعلق بحجم التدفقات المالية والاستثمارية، وقدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج والصادرات، إضافة إلى السياسة النقدية التي يتبعها مصرف سوريا المركزي ومستوى الثقة العامة بالبيئة الاقتصادية.

ويرى الخبير الاقتصادي "شادي سليمان" في حديثه لصحيفة الثورة أن الاتجاهات المقبلة لسعر الصرف تبقى مفتوحة على ثلاثة مسارات رئيسية، حيث يتمثل السيناريو الإيجابي في حالة نجاح الحكومة في جذب استثمارات جديدة وتحسين بيئة الأعمال وزيادة الاحتياطيات الأجنبية، ما قد يقود إلى استقرار تدريجي وربما تحسن في قيمة الليرة خلال النصف الثاني من العام.

أما السيناريو المعتدل، والذي يعد الأقرب وفق تقديراته، فيقوم على استقرار نسبي ضمن نطاقات سعرية محددة مع تقلبات محدودة ناتجة عن توازن العرض والطلب دون تغييرات جوهرية في أساسيات الاقتصاد.

في حين يرتبط السيناريو السلبي بتراجع التدفقات الاستثمارية وعودة المضاربات وزيادة الطلب على الدولار، ما قد يؤدي إلى موجات جديدة من التراجع في قيمة الليرة وارتفاع التضخم.

وفي المقابل، يقدم الخبير المصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي قراءة أكثر تشاؤماً، إذ يرى أن الليرة السورية تمر بمرحلة تدهور حاد في قيمتها الفعلية، حيث فقدت جزءاً كبيراً من قوتها الشرائية خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع مستويات تضخم مرتفعة أثرت بشكل مباشر على دخل الأفراد.

ويشير قوشجي إلى أن هذا الواقع ترافق مع تراجع واضح في الإنتاج المحلي، واتساع نطاق السوق السوداء، وضعف فاعلية أدوات السياسة النقدية، ما أدى إلى فقدان العملة لوظائفها الأساسية في الادخار والتبادل والتسعير.

كما يلفت إلى أن تجربة معالجة التشوهات النقدية عبر حذف الأصفار من العملة لم تحقق النتائج المرجوة، بل أدت في بعض الحالات إلى انعكاسات سلبية تمثلت في موجات تضخمية إضافية وتراجع الثقة بالعملة المحلية، مع توسع الاعتماد على الدولار والذهب كبدائل ادخارية.

ويضيف أن التضخم الحالي هو نتيجة مباشرة لاختلالات بنيوية تشمل ضعف الإنتاج الزراعي والصناعي، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، والاعتماد المتزايد على الاستيراد، إلى جانب تمويل العجز عبر الإصدار النقدي.

وفي ما يتعلق بالحوالات الخارجية، يتفق الخبراء على أنها تؤدي دوراً مؤقتاً في دعم الليرة وتحسين الطلب عليها خلال مواسم محددة مثل الأعياد، إلا أن هذا الأثر يتلاشى سريعاً مع عودة الطلب على الدولار لأغراض الاستيراد والادخار، ما يعيد العملة إلى مسار الضغوط المستمرة.

أما من ناحية الأسعار، فقد شهدت الأسواق السورية بعد العيد ارتفاعاً في عدد من المواد الغذائية الأساسية، حيث بلغ سعر صحن البيض نحو 400 ليرة سورية جديدة بعد زيادة قدرها 50 ليرة، كما ارتفع سعر كيلو الحليب واللبن بنحو 10 ليرات.

وسجلت أسعار الأجبان مستويات متفاوتة، إذ بلغ سعر كيلو الجبنة الشلل المكفولة 820 ليرة، والشلل الأخرى 760 ليرة، والمسنرة 560 ليرة، والعكاوي 430 ليرة، والجبنة البلدية 350 ليرة.

ووصل سعر الشنكليش إلى 1000 ليرة، والسمنة البلدية إلى 1500 ليرة. كما ارتفع سعر الزيتون الأخضر ليترواح بين 420 و500 ليرة، مع زيادات إضافية طالت مواد غذائية أخرى مثل الحلاوة والجبنة الدهن والزعتر الأخضر.

وتعزو الجهات الاقتصادية هذه الارتفاعات إلى عدة عوامل مترابطة، أبرزها تراجع قيمة الليرة السورية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل وأجور العمال، إضافة إلى استمرار الضغوط المرتبطة بسلاسل التوريد، في وقت تؤكد فيه مديريات حماية المستهلك أن المواد متوفرة بشكل عام في الأسواق دون وجود نقص فعلي، مع التركيز على تنظيم الأسعار عبر آليات رقابية مثل السبر السعري ومتابعة الشكاوى الإلكترونية.

وأوضح الخبير المالي والمصرفي الدكتور عبد الله قزاز أن هناك عدة سيناريوهات قد تؤثر على سعر الصرف بعد عيد الأضحى، السيناريو الأكثر احتمالية هو عودة الدولار للارتفاع تدريجياً، حيث يتوقع أن ينخفض عرض الدولار بعد انتهاء موسم الحوالات والعيد.

كما تشير التوجهات الرقابية إلى اعتماد أدوات جديدة لتعزيز الشفافية، من بينها توثيق عمل الدوريات التموينية عبر وسائل تصوير وبث مباشر، بهدف الحد من المخالفات وتعزيز الرقابة على الأسواق، في إطار توجه نحو اقتصاد سوق أكثر انفتاحاً يقوم على الإعلان الإلزامي للأسعار بدلاً من التسعير الجبري.

وبين هذه المعطيات الاقتصادية والرقابية المتداخلة، تبدو الليرة السورية في مرحلة حساسة تتأرجح بين عوامل دعم مؤقتة مرتبطة بالمواسم والتحويلات، وضغوط هيكلية مستمرة تتعلق بضعف الإنتاج واعتماد الاقتصاد على الاستيراد، ما يجعل استقرارها الحالي غير ثابت ما لم تُستكمل إصلاحات اقتصادية أوسع وأكثر عمقاً في بنية الإنتاج والسياسات النقدية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ