استبدال العملة في سوريا.. خبراء: نجاح العملية مرهون بسحب النقد القديم وتعزيز الثقة بالليرة
تتواصل في سوريا إجراءات استبدال الأوراق النقدية القديمة ضمن خطة نقدية تهدف إلى تنظيم الكتلة النقدية وتعزيز فعالية السياسة المالية، في وقت تتصاعد فيه النقاشات الاقتصادية حول آليات التنفيذ ودور المؤسسات المصرفية وشركات التحويل المالي في ضبط حركة السيولة ومنع تشوهات السوق خلال مرحلة الانتقال النقدي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن نجاح عملية الاستبدال لا يرتبط فقط بإصدار عملة جديدة، بل بقدرة النظام المالي على سحب النقد القديم بشكل فعّال ومنع إعادة تدويره عبر قنوات الدفع غير الرسمية وشبكات التحويل، بما يضمن تحقيق أهداف الإصلاح النقدي وتحسين الثقة بالعملة الوطنية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور حيان إبراهيم سليمان أن استمرار تداول العملة القديمة عبر شركات الصرافة وشبكات الدفع الإلكتروني يشكل تحدياً مباشراً لعملية الاستبدال، موضحاً أن هذه القنوات قد تتحول إلى حلقة إعادة تدوير للنقد القديم بدل سحبه من السوق.
ودعا سليمان إلى إلزام شركات الصرافة وشبكات التحويل بإجراء عمليات تصفية يومية أو أسبوعية مع مصرف سوريا المركزي، بحيث يتم توريد كامل النقد القديم إلى المركزي واستبداله مباشرة بالنقد الجديد، بما يمنع تراكمه أو إعادة ضخه في السوق.
كما حذر من احتمال نشوء سوق موازية لعمولات الاستبدال في حال غياب الرقابة، مشيراً إلى أن فرض أي رسوم تمييزية بين العملة القديمة والجديدة قد يؤدي إلى ازدواج سعري ينعكس سلباً على الاستقرار النقدي ويضعف الثقة بالإجراءات الحكومية.
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي إيهاب إسمندر أن أي عملية استبدال للعملة لا يمكن فصلها عن السياق الاقتصادي العام، مشيراً إلى أن الاستقرار النقدي يتطلب بيئة استثمارية وتشريعية قادرة على دعم تدفق الأموال وتنشيط الإنتاج المحلي.
ويشير إسمندر إلى أن رأس المال الوطني يمثل القاعدة الأساسية لأي عملية إصلاح اقتصادي، لافتاً إلى أهمية استقطاب المدخرات المحلية والمغتربين، إلى جانب جذب الاستثمارات الأجنبية لسد فجوة التمويل وتطوير البنية التحتية، خاصة في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
ويضيف أن من أبرز التحديات التي تواجه العملية النقدية الحالية تتعلق بضعف البنية القانونية الناظمة لحماية الاستثمارات وتسوية النزاعات، وهو ما قد يحد من سرعة التعافي الاقتصادي ويؤثر على فعالية السياسات النقدية.
أما الخبير الاقتصادي شادي أحمد فيرى أن استقرار العملة الوطنية يعتمد على توازن دقيق بين السياسات النقدية والمالية، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي باعتباره العامل الحاسم في تخفيف الضغوط التضخمية.
ويؤكد أحمد أن أي إصلاح نقدي، بما في ذلك استبدال العملة، يجب أن يترافق مع ضبط السيولة، وتحسين آليات الرقابة على الأسواق، ودعم القطاعات الإنتاجية، بما ينعكس مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين ويحد من التقلبات السعرية.
وفي السياق ذاته، يشير عدد من الفعاليات الاقتصادية، بينهم محمد الحجار وفيصل المنان، إلى أن تطوير أدوات الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية يمثل خطوة أساسية لتقليل الاعتماد على النقد الورقي، مؤكدين أن نجاح الاستبدال النقدي يرتبط بمدى قدرة هذه الأنظمة على التحول إلى أدوات دفع حقيقية وليست مجرد قنوات لتدوير النقد.
ويحذر هؤلاء من أن استمرار استخدام التطبيقات المالية كوسيط لنقل النقد القديم دون تحويله فعلياً إلى منظومة رقمية متكاملة قد يضعف أهداف الإصلاح النقدي، ويؤخر عملية التحول نحو اقتصاد أقل اعتماداً على الكاش.
ويجمع الخبراء على أن استبدال العملة يمثل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة النظام النقدي، يتطلب إجراءات رقابية صارمة، وتنسيقاً مباشراً بين المصرف المركزي وشركات الصرافة والمنصات الرقمية، إلى جانب سياسات اقتصادية داعمة للإنتاج والاستثمار.
ويؤكدون أن نجاح هذه المرحلة مرهون بقدرة السلطات المالية على منع ازدواجية التداول النقدي، وضمان سحب العملة القديمة بشكل كامل ومنظم، بما يرسخ الاستقرار النقدي ويعزز الثقة بالليرة السورية في المرحلة المقبلة.