قضية الإعلامي عبد الرحمن إسماعيل تعيد النقاش حول حرية النقد وملاحقة الصحفيين في سوريا
أطلق صحفيون وناشطون سوريون حملة تضامن عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع الإعلامي عبد الرحمن إسماعيل، عقب إعلانه مواجهة دعوى قضائية على خلفية منشورات انتقد فيها أداء مجلس مدينة حلب، وسط مطالبات بعدم تحول انتقاد المؤسسات والمسؤولين إلى مدخل لملاحقة الصحفيين والناشطين، والاحتكام إلى الأطر القانونية في معالجة القضايا المرتبطة بالنشر.
وأثارت القضية نقاشاً واسعاً حول المساحة المتاحة لانتقاد أداء المؤسسات العامة، ولا سيما في الملفات الخدمية والإدارية وشبهات الفساد، فيما اعتبر متضامنون أن مساءلة المسؤولين ومراقبة أداء المؤسسات تندرجان ضمن حرية التعبير والدور الرقابي للإعلام، مع التأكيد على أن الفصل في أي اتهامات أو تجاوزات محتملة يبقى من اختصاص القضاء.
منشورات تنتقد مجلس مدينة حلب
بدأت القضية، وفق ما أعلنه إسماعيل، بعد نشره سلسلة منشورات عبر حسابه في "فيس بوك"، تناول خلالها أداء مجلس مدينة حلب وطريقة إدارة عدد من الملفات، ووجه انتقادات إلى واقع العمل داخل المجلس، متحدثاً عما وصفه بمظاهر فساد، وداعياً إلى إصلاحات وتغييرات تطال المؤسسات العامة والخدمية في المدينة.
وأعلن إسماعيل لاحقاً أن رئيس مجلس مدينة حلب تقدم بدعوى قضائية بحقه بتهمة "التحريض على القتل"، معتبراً أن الدعوى مرتبطة بما نشره من انتقادات حول المجلس، قبل أن يقول إن إجراءات القضية وصلت إلى الأمن الجنائي وصدرت بحقه بطاقة بحث كان من الممكن أن تفضي إلى توقيفه.
وقال إسماعيل إن الدعوى، وفق روايته، "تم تعجيلها بطريقة فاسدة" حتى وصلت إلى الأمن الجنائي، وهي اتهامات صادرة عنه ولم يصدر في المعطيات المتاحة رد معلن من رئيس مجلس المدينة يوضح موقفه منها أو الأساس الذي استندت إليه الدعوى.
وأعلن إسماعيل، في تطور لاحق، أن قائد الأمن الداخلي في حلب العميد محمد عبد الغني رد بطاقة البحث الصادرة بحقه بسبب عدم توافر الأدلة، موجهاً الشكر إليه على ما وصفه بـ"إنفاذ سيادة القانون".
ولا يعني رد بطاقة البحث، وفق المعلومات التي أعلنها إسماعيل، بالضرورة انتهاء مسار الدعوى القضائية، إذ يتعلق الإجراء بعدم المضي في البحث الأمني استناداً إلى المعطيات المتوفرة، بينما لم يصدر توضيح معلن بشأن المآل النهائي للدعوى نفسها.
تضامن ومطالب بحماية حق النقد
ركزت حملة التضامن على رفض التعامل مع النقد الصحفي باعتباره جريمة جزائية لمجرد توجيهه إلى مسؤول أو مؤسسة عامة، وطالب المشاركون بضمان حق الصحفيين في تناول الملفات المرتبطة بأداء المؤسسات والخدمات والفساد، ضمن المسؤوليات والضوابط المهنية والقانونية المنظمة للنشر.
وشدد متضامنون على ضرورة التمييز بين ممارسة النقد وتوجيه الاتهامات في المجال العام من جهة، وبين الأفعال التي يمكن أن تشكل جرائم يعاقب عليها القانون من جهة أخرى، مع ترك مهمة تحديد المسؤولية القانونية والفصل في الادعاءات للقضاء المختص، بعيداً عن إجراءات قد تؤدي إلى تقييد العمل الصحفي قبل صدور أحكام قضائية.
وتعيد قضية إسماعيل طرح تساؤلات حول الآليات التي يفترض اتباعها عند اعتراض مسؤولين أو مؤسسات عامة على محتوى صحفي أو منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومدى قدرة القوانين والإجراءات المعمول بها على تحقيق التوازن بين حماية حرية التعبير وحق النقد، وبين ضمان حق الأفراد والمؤسسات في اللجوء إلى القضاء عند الاعتقاد بوقوع تجاوز قانوني.
توجهات للحد من التوقيف في قضايا النشر
تأتي القضية بالتزامن مع توجهات أعلنتها وزارة العدل خلال الأشهر الماضية للحد من التوسع في توقيف الأشخاص على خلفية قضايا مرتبطة بالنشر والتعبير، إذ شددت في توجيهات صدرت خلال آب الماضي على عدم اللجوء إلى التوقيف الاحتياطي أو إصدار إذاعات البحث في قضايا الجرائم المعلوماتية إلا ضمن حالات استثنائية، وبموجب قرار قضائي ووفق ضوابط محددة.
وتكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة في ظل النقاش حول الضمانات القانونية اللازمة للصحفيين والناشطين، ومدى الحاجة إلى تنظيم التعامل مع الشكاوى الناتجة عن النشر بطريقة تحول دون استخدام الإجراءات الجزائية أداة للضغط، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق المتضررين في اللجوء إلى القضاء.
وسبق أن كشف وزير الإعلام السوري خالد زعرور، خلال لقاء مع الإعلامية زينة يازجي عبر قناة "الشرق بلومبرغ"، عن ملامح قانون الإعلام الجديد، مؤكداً أن بناء إعلام في سوريا الجديدة يتطلب تطوير المؤسسات الأكاديمية وتهيئة بيئة قانونية وتشريعية تمنح الصحفيين مساحة أوسع لممارسة عملهم.
وأوضح زعرور أن العمل بدأ على تطوير المؤسسات الأكاديمية والمناهج والجوانب التطبيقية في كليات الإعلام، باعتبارها إحدى ركائز بناء مؤسسات إعلامية قادرة على مواكبة المرحلة الجديدة، بالتوازي مع إعداد إطار قانوني وتشريعي ينظم العمل والحريات الإعلامية.
قانون إعلام دون عقوبات سالبة للحرية
وأشار وزير الإعلام إلى أن القانون الجديد يستهدف توفير بيئة تضمن الحريات الإعلامية، موضحاً أن من أبرز ملامحه إلغاء عقوبة السجن بحق الصحفيين واستبدالها بالغرامات المالية، ضمن توجه لتطوير التشريعات الناظمة للعمل الإعلامي.
وأكد زعرور أن القانون يكرس حق الوصول إلى المعلومات باعتباره أساساً للعمل الصحفي، محذراً من أن غياب المعلومات الدقيقة الصادرة عن مصادر موثوقة يفتح المجال أمام انتشار الشائعات والمعلومات غير الصحيحة.
وشدد على أن حق الصحفي في الوصول إلى المعلومات يقابله الالتزام باستخدامها بصورة مهنية، بالتوازي مع ضمان حقه في حماية مصادره، بما يساعد على تعزيز الثقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور والجهات العامة.
وتحدث زعرور عن التنوع في المجتمع السوري، معتبراً أن اختلاف الآراء لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف، ومشيراً إلى توجه نحو تعزيز اللامركزية الإعلامية وإتاحة مساحة أكبر للمحافظات للتعبير عن قضاياها وخصوصيتها الاجتماعية والثقافية.
وتضع قضية عبد الرحمن إسماعيل هذه التوجهات المعلنة أمام اختبار عملي يتعلق بكيفية التعامل مع النقد الموجه إلى المؤسسات والمسؤولين، في وقت تتزايد فيه المطالب ببناء بيئة إعلامية تحمي حق الصحفي في المساءلة والنقد، وتضمن في المقابل الاحتكام إلى القضاء عند وجود ادعاءات بوقوع مخالفات، ضمن إجراءات قانونية واضحة تحمي الحقوق ولا تجعل الملاحقة أو التوقيف بديلاً عن الفصل القضائي.